الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> لاهوتيّة

الحمامة والحَمَل.. تأمل حول المسيح والروح

  بقلم: راهب من كنيسة الشرق (تعريب: نهاد فرح)


انقر هنا للتكبير
 
     ورأى يوحنا يسوع آتياً نحوه فقال: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم " (يو 1/29(
     وشهد يوحنا قال : "رأيت الروح ينزل من السماء كأنه حمامة فيستقر عليه" (يو 1/32)
                               
I
     أتى يوحنا المعمدان ليشهد، لقد كان "الشاهد" بكل معنى الكلمة. كان شاهداً ليسوع "جاء شاهدا ليشهد للنور" (يو 1/7), ولكنه كان أيضا وبنفس المقدار, شاهداً للروح, هذا الذي " كان ممتلئا من الروح القدس وهو في بطن أمه " (لو 1/15), ذات الرجل الذي أعلن لتلاميذه حمل الله, رأى الحمامة تنزل على المشيح. لا يمكن فصل نصّي هذه الشهادة. يوحنا كان المبشر لهذا الثنائي الإلهي: الحمامة والحمل. كان رسول هذه الخدمة المشتركة للروح والكلمة.
    هذه الخدمة المشتركة, هذا الفعل المتلازم يتم تحقيقه منذ بدايات الخليقة. سفر التكوين يظهر لنا روح الله يرفرف على وجه المياه (تك 1 /2) أي فوق الخواء الأول. الفعل العبري المستعمل في النص يوحي بصورة عصفور يحضن (وأياً كان الخواء الأول في العالم, أياً كان الخواء في روحنا, فإن أملاً قوياً يبقى لأن الروح لا ينفك "يحضن" أعماقنا المعتمة.
   من ناحية أخرى, يعلن الإنجيل الرابع أن الكلمة "فكر-كلمة الله" كان منذ البدء مع الآب وأنه "به كان كل شيء(يو1 /3). وهكذا, منذ بدء العمل الإلهي, الكلمة كان ويبقى متقلداً علامة الحمل والحمامة إذ إن كلاهما صورة للرقة والطهارة. الروح يفرش جناحيه فوق العالم فيغمره وينشر فيه دفؤه وحنانه, بينما ينير الكلمة العالم, ويكوّنه ويعطيه المعنى.
   وتتبين أيضاً هذا الثنائي (حمامة-حمل) في الذبيحة التي قرّبها يوسف ومريم عند تقدمة يسوع إلى الهيكل   (حتى ولو كنا لا نرى هنا نبؤه محتمة). كان بإمكانهما أن يقدما حملاً أو زوجي حمام (أح 12/8). لقد قدما زوجي يمام وهي تقدمة الفقير, إذ إنه لم يكن مناسبا أن تكون هناك الذبيحة الرمزية للحمل, لأن حمل الله الوحيد, الحمل الفصحي الحقيقي كان موجوداً, والمساواة بين الحمامة والحمل تظهر هنا بشكل خفي.
   إنها صوَر وظلال, أما مع يوحنا المعمدان, فالنور يظهر بكامله. إنه يدرك ويعبر بوضوح عن سر الحمامة والحمل.لقد " رأى " الحمل يسير بين البشر بشخص يسوع. وهو يعلن عن يقين أنه رأى الروح ينزل على    المخلص " وكأنه حمامة ". بهذا الشكل رسمت الصورة المثالية للعبادة المسيحية " رؤية " الحمل والحمامة بنفس الوقت, وفي علاقتهما مع المبدأ الأصلي الذي هو الآب. رؤية إن لم تكن بعيني الجسد فعلى الأقل بعيني الإيمان والصلاة والحب. أن نحصل على رؤيا, على خبرة شخصية, للتمييز والإتحاد بين الحمل والحمامة. ولكن هل توصلنا لذلك؟
 
II
    خبرة كهذه تواجه عدة مصاعب لدى الكثيرين منا, إحداها هو ذلك الموقف الضعيف, المتردد, المحرج والغير أكيد, ونتجاسر إذ نقول المتلمس, تجاه الروح القدس. سوف لن نقول كما قال مؤمنو أفسس لبولص " لم نسمع أن هناك روح قدس " (أع 19/2), فقد سمعنا الكثير من الحديث عنه. وقد نجيب على سؤال بولص " هل نلتم الروح القدس حين آمنتم " (أع 19/2) بأننا قد مررنا بالمراحل وحتى الطقوس اللازمة للمشاركة الكاملة في الدين المسيحي. ومع ذلك فإن الروح القدس يبدو لنا " كشيء " غير واضح, كما إننا نشعر بمشقة إذا حاولنا التفكير به كشخص حي وحقيقي. هناك دوما تلك المحاولة بتمثله كقوة غير شخصية, كطاقة, أو سلطة مطلقة. فحتى الصور التي ترسمها لنا عنه الكتابات المقدسة, تبقى غير واضحة وضبابية نوعا ما. إنه نفحة, إنه نار, إنه رائحة عطرة, إنه مسحة, إنه حمامة تطير وتستقر, إنه كل ذلك, كما إنه تماما غير ذلك. إنها ليست إلا مظاهر خارجية تهرب منا بسرعة ! ويبقى هو, لا يمكن التعبير عنه, لا يمكن الإمساك به ! إنه تماما عكس أل "يهوه" المذكور في العهد القديم والذي يظهر ذاته, حتى عن طريق وسطاء, الذي يتكلم مع البشر أو مع يسوع في الأناجيل. كيف يمكن لنا أن نعقد مع الروح تلك العلاقة الحميمة حيث نستطيع أن نقول له "أنت" ونسمعه يقول لنا "أنت"؟
    هناك صعوبة أخرى متواترة, حتى في النفوس الكثيرة التقوى, صعوبة ممكن أن تأتي من تعلقنا بشخص يسوع. فهؤلاء الذين يحبون يسوع جدا, ويلجئون إليه بكل مودة وحنان, ينتابهم الخوف حتى من مجرد الشعور بأنهم سيفقدونه, أو سيرونه يبتعد عنهم فيما إذا حاولوا أن "يلتفتوا" إلى الروح. سفرأعمال الرسل, سفرالروح القدس له طابعه الخاص, فهو ليس تماما كطابع الأناجيل. مسيح ما بعد العنصرة(Pentecostal) ، ليس مشابها تماما لمسيح الجليل (حتى ولو أنه هو بذاته). إنه ليس من السهل على هؤلاء الذين وضعوا, الإله الذي صار إنسانا, مركزا لتأملاتهم وصلواتهم, هؤلاء الذين "احتضنوا المسيح" أن يتوجهوا بصلواتهم نحو الروح, نحو هذا الندى اللطيف الذي يرطب ويشبع من حوله صباحا ومساء, بدون أن نرى قطرة واحدة من الماء تهطل من السماء.
   هذه الصعوبات متلاحمة, وأيضا الحل, إذ إننا كلما فهمنا "شخصية" الروح القدس, كلما لمسنا العلاقة الحميمة التي توَحد الحمامة والحمل. وكلَما دخلنا في عمق المحبة المتبادلة بين الحمل والحمامة, كلما تحققت لنا رؤيته كشخص. هذا التحقَق هو نوع من الكشف الإلهي أو الإلهام , ولكن يمكن لجهودنا الشخصية أن تساهم في التوضيح عنه. يمكننا الحصول على هذه الاستنارة (وهي بكافة الأحوال غير كاملة) بواسطة الفكر الذي تساعده النعمة الإلهية. ويبقى مع ذلك طرق أخرى غير الطرق الإستتناجية أو الدراسة التاريخية (*), وهي الصلاة والحب مع التأمل بالكلمة الملهمة مما يعطي إمكانية الفهم الداخلي.
   لنعُد إلى ما اختبره يوحنا, ولنحاول أن نتأمل ماذا رأى هو, فقد نتمكن من خلال هذا التأمُل أن نجد حلاً لصعوباتنا.
*) إننا نؤكد على أننا لا نقوم, هنا, بأي شيء إلا التأمل, ولا ندّعي بأي حال أنها ستكون دراسة لاهوتية أو تعليمية ولذلك فإننا لا نعطي أية مراجع بيبلية لأن " الدراسات في هذا الموضوع " واسعة جداً وسوف لن ننطلق في هذا البحر العميق. كما أننا لم ندخل في بعض النقاط التي يتناقش بها المختصون كالعلاقة بين الروح القدس والنعمة أو الأسرار, الانبثاق من الابن Filioque , استدعاء الروح القدس في الإفخارستيا, المواهب, سكنى الأقانيم الإلهية في داخلنا الخ... ليس لأننا ننقص من أهمية هذه المواضيع والغنى الروحي الذي يمكن أن تعطيه الدقة الفكرية في توضيحها, ولكن هدفنا هو غير ذلك, فنحن لا نتوجه إلى المختصين, وإنما نكتب بكل بساطة إلى أتقياء القلوب الذين يعرفون ويحبون الرب يسوع بقدر ما أعطي لهم, والذين يريدون أن يتعرفوا أكثر على الروح القدس ليحبوه بطريقة أفضل. لذلك فإن مقاربتنا هذه تقع في إطار الصلاة والخبرة الداخلية والشخصية وهي محاولة لمقاربة متواضعة.
 
III
      رأى يوحنا الروح ينزل من السماء كأنه حمامة ويستقر على يسوع. لهذه النقطة أهمية رئيسية في ما نبحث عنه. إن حركة الروح, وبمجرَد أن نعاينها, هي حركة "نحو يسوع", هي حركة موجهة نحو الحمل. إذا لم نؤكد بشدَة على هذه الحقيقة الأولية والهامة, فإن أي تفكير بهذا الخصوص سيكون مغلوطا, وسنجد أنفسنا ندخل في المتاهة المسدودة لثنائية, أو توازي غير صحيح.
   إذن, ومنذ الآن, يجب علينا وبشكل جزري, أن نرمي بالأوهام التي أضاعت مفكرين أذكياء أتقياء ونبلاء, ما نريد أن نقوله هو كلامهم عن "الملك الثالث" ملك الروح القدس الذي سيحل مكان ملك يسوع, ملك نهائي سيليه ملك الآب. لا يوجد ملك للروح مستقل عن "ملكوت الله" الذي يعلن عنه الإنجيل والذي يمنحه يسوع المسيح. الروح القدس, وهو أكثر من فاعل, لأنه هو الفعل بذاته وتحقيق هذا الفعل, هو الأداة التي تحقق هذا الملك, وهذه الأداة تعمل بطريقة كاملة جدا, فهي تتوافق تماما مع الفعل الأصلي لدرجة أن الروح نفسه يتحد بالملكوت (*), ولكنة لا يمتلك الملكوت. نعم إن الروح ملك (**), ولكن ملكه (سيادته) يقوم أنه يجعل رعاياه يسجدون للذي قال لبيلاطس " أنا ملك "(يو 18/37). إن عمل الروح وسيادته الغير منظورة على النفوس, هو أنه يحدث ويظهر ملكية الكلمة الذي تجسد.
   ومع ذلك, ألم يقول يسوع قبل العنصرة " إنه خير لكم أن أذهب, فإن لم أذهب, لا يأتيكم المؤيد" (يو 16/7). كان يجب أن يذهب يسوع لكي يلي وجوده المرئي والمحدود (في المكان), وجوده الغير مرئي وفي العالم أجمع. ولكن الروح هو الذي يجعل يسوع حاضرا لنا منذ الصعود, وما بعد الصعود. كما أن يسوع هو الذي يرسل لنا الروح " وإن ذهبت أرسله لكم " (يو 16/7). الآب يرسل الحمامة على الحمل, والحمل يرسل علينا الروح, وذلك ليس لكي نضع الحمامة مكان الحمل, ولكن لكي " تذكرنا " الحمامة بالحمل, والتذكير ليس هنا بالمعنى الضعيف لعمل الذاكرة, ولكن بالمعنى القوي أي الاستدعاء الفاعل في كل مرة " أن يأتي الآن ". إن دور الحمامة, عمل الروح القدس تجاهنا هو إظهار الحمل, أن تجعلنا نكتشف المسيح. مهمة الروح, الذي هو بالطبيعة غير مرئي وغير ملموس, هي أن يجعل يسوع ظاهرا وملموسا لنا بشكل روحي.
*) بعض المخطوطات اليونانية القديمة جداً للإنجيل بحسب القديس لوقا, تستبدل في نص الصلاة الربية, طلب الروح القدس بدلاً من طلب مجيء الملكوت. وهذا يشير إلى أن المسيحية كانت واعية منذ بداياتها للعلاقة بين ملكوت الله والروح القدس.
 **) الصلاة الافتتاحية في أغلب القداديس البيزنطية تبدأ هكذا " أيها الملك السماوي المعزي, روح الحق..
 
   ليس للحمامة أية مبادرة مستقلة ومنعزلة. يقول يسوع عن الروح "...لأنه لا يتكلم من عنده, بل يتكلم بما يسمع... لأنه يأخذ مما لي ويخبركم به " (يو 16/13-14). وسنعود للتكلم لاحقا عن " كلمات الروح ", أما الآن فلنعلم فقط أن أي إلهام من الروح هو الهام من الابن, وما يكشف لنا عنه الروح, أو بالأحرى من يكشف لنا عنه الروح, هو يسوع.           
   الروح ينزل على الحمل لكي يظهره لنا, الروح القدس يوقظ ويحيي فينا ذكرى يسوع. إن هذا الكلام ضعيف جدا, لنقل بالأحرى أن الروح يضع يسوع أمامنا, إنه يجعل صورة شخص الخلص تنتصب أمامنا, إنه الصوت المكبر لكلمة الله.
   لكننا لا نعرف كيف نستمع إلى يسوع, لذلك فإن الروح " يأتي لنجدة ضعفنا " (رو 8/26), وكما أننا لا نعرف كيف " نصلي كما يجب " فإنه يمزج تنهداته بتمتمتنا " بأنات لا توصف " (رو 8/26), فهو النبع والقوة لكل توقنا للتوجه نحو يسوع. يقول بولص الرسول " لا يستطيع أحد أن يقول, يسوع رب, إلا بإلهام من الروح القدس " (1 كور 12/3). إنه يضع نفسه نوعا ما بدلا عنا, حتى أنه يأخذ مكاننا, إنه هو الذي يجعلنا نقول "أنا" عندما نتوجه إلى يسوع كشخص ونقول له "أنت".
   ويمكن أن نقول – بدون التركيز على المعنى الفلسفي- بأن الروح يصبح واحدا معنا, بدون امتزاج مع طبيعتنا, لدرجة أنه يصبح هو الفاعل في حياتنا المسيحية, الذي يتمنى ويرجو, بينما يسوع هو الموضوع, المثال, الهدف الذي نسير نحوه الآن (فالهدف النهائي هو الآب).
   هل يمكن القول أن يسوع يتمثَل لنا بشكل خارجي أكثر من الروح ؟.. وهل يمكن القول أن الروح يتمثَل لنا بشكل داخلي أكثر من يسوع ؟.. كلا, يسوع والروح بالرغم من تعاليهما بالنسبة لنا, هما معا في داخلنا وبشكل حميم. ولكن هناك وجود داخلي بعدة أشكال: فمن جهة, يقول لنا بولص " أنتم جسد المسيح, وكل واحد منكم عضو فيه " (1 كور 12/27), ومن جهة أخرى يقول لنا أيضا " ألا تعلمون أنكم هياكل للروح القدس الذي فيكم " (1كور 6/19), ولأن كل منا, هو شخصيا, هيكل للروح القدس, فإننا جميعا نشكل جسد المسيح. الكتابات المقدسة تستعمل بشكل متوازي تقريبا , التعبيرين "بالمسيح" و "بالروح القدس", وفي الغالب يظهر بأننا نختص فعل الله في كياننا الداخلي بالروح القدس أكثر منه بالمسيح, وآلية عملنا بالمسيح أكثر منه بالروح القدس, ونفكر بعد ذلك ثم نقول (بواسطة المسيح في الروح القدس). التعبير صحيح نوعا ما, ولكن الأصح هو أن نقبل المعادلة (وهو تعبير فج) بأن" الروح هو الفاعل والابن هو الهدف " وأن نقول أننا بواسطة الروح القدس نكون في المسيح.
 
IV
     والآن, ألا نرى بوضوح أكبر لماذا نفشل في أغلب الأحيان عن إدراك الروح القدس؟ إذا حاولنا الاقتراب من الحمامة لكي نأسرها كحقيقة مستقلة عن حقيقة الحمل, فكل محاولة من هذا النوع مصيرها الفشل. عندما نتطلع إلى الروح بمعزل عن الابن الحبيب, فإن الروح يتوارى ويختفي, ولن يبقى في أيدينا أي شيء , إذا صح التعبير, إذ لا يمكننا الوصول إلى الحمامة إلا إذا انضممنا إلى طيرانها نحو الحمل, لكي نتقبل منها حضور الحمل.
   يمكننا التأكد من ذلك في الصلاة. إن قلة الصلوات الكنسية الموجهة مباشرة إلى الروح القدس يفسر معنى ذلك (*), فعندما نحاول أن نصلي إلى الروح بشكل عفوي وبعبارات موجهة له شخصيا, نشعر بأن ذلك غير سهل فالاتصال ينقصه الوضوح والقوة, والشحنة العاطفية هي غالبا أقل من التي تشحن صلواتنا عندما نتوجه إلى يسوع, وحتى أحيانا, صلواتنا نحو الآب. ولمعالجة هذا الخلل يجب تصحيح, أو تحسين الصلة, في صلواتنا, بين يسوع والروح. وقد نتمكن من الاختبار بأن أفضل الصلوات الموجهة للروح هي تلك التي لا تتوجه إليه بشكل مباشر وفوري, وإنما تلك التي يشكِل هو بذاته عصبها الرئيسي وقوتها, حتى وإن لم يذكر اسمه فيها. لنستعيد كلام القديس بولص " لا يستطيع أحد أن يقول يسوع رب, إلا بإلهام من الروح القدس" (1كور 12/3). عندما يقود الروح القدس أي صلاة نتوجه بها.. فإننا نُصلي للروح القدس حقا. الروح ليس غاية صلواتنا (على الأقل بالطريقة العادية للصلاة) , إنه "الذي بين" ذواتنا ومنتهى هذه الصلاة. إنه هذا الاندفاع نحو الابن, وهو أيضا الاندفاع الذي يوجهنا نحو الآب, ولكن نحو الآب الذي نجده في الابن, فالمسيح بسبب التجسد, يبقى الموضوع المباشر. الصلاة المتجددة والحقيقية للروح القدس, هي كل صلاة نعي فيها بأننا نقول بالروح القدس "أيها الرب" ليسوع المسيح.
 
 *) الصلوات السبعة الطويلة التي يتلوها المسيحيون, الذين يتبعون الطقس البيزنطي, وهم ساجدون في أحد العنصرة تتوجه بشكل عام إلى الله, أو المسيح, وأي منها لا تتوجه بشكل خاص إلى الروح القدس.
وفي الصلوات النادرة الموجهة الى الروح القدس سواء في الطقس اللاتيني أو البيزنطي, فإن الطابع الغالب فيها هو استدعاء الروح القدس.
 
   يجب أن لا نحاول إيقاف طيران الحمامة نحو الحمل, حتى ولو كنا نتشوَق لكي نوقف هذا الطيران, وأن نمسك بالحمامة وننظر اليها على مهل, ونداعبها, ونحاول أن نكون قريبين منها, وأن نجعل من التأمل بها سعادتنا. أيتها الحمامة العزيزة التي يعرفها القليل من البشر, والتي يحبها القليلون !.. لو شعرنا قليلا, بل قليلا جدا, بسر العزوبة والحنان الكامنين فيها, بالحب المعطي والنزيه الذي تغمرنا به بشكل سري, بعمق احتجابها, لكنا صرخنا نحن أيضا " هوذا الشتاء قد مضى... وصوت اليمامة يسمع في الحقول... يا حمامتي المختبئة في شقوق الصخور الوعرة, أريني وجهك, أسمعيني صوتك, لأن صوتك عزب ووجهك جميل" (نشيد 2/12-14). ويمكننا أن نحلم بعد ذلك بحياة نقضيها مع الحمامة ونكرسها لأجلها.
   ولكن الحمامة لن تبقى حية فينا إذا أوقفنا مسارها. إننا نستطيع وللحظات قصيرة أن نكتشف فرح حضورها, ومع ذلك فإنه فرح يعكس حضور آخر. الحمامة لا تريد أن تملك شيئا يكون لها وحدها, أو أن تعطي شيئا يأتي منها لوحدها. حضور الحمامة "يطلب" إدخال هذا الحضور الآخر , فالحمامة تطلب أن تعطي مكانها, إنها تأتي الينا لكي تقودنا معها نحو الحمل.
                                                                       
V
    أن نقول بأن الحمامة تقودنا نحو الحمل لشيء قليل جدا, إنها تجعلنا ندخل فعلا داخل الحمل, فالحركة التي يحملنا فيها الروح القدس نحو يسوع "لا تتوقف" فقط أمام شخص المخلِص. لقد رأينا ذلك من قبل: إننا هياكل للروح القدس الذي هو روح جسد المسيح بكامله, إننا نصبح أعضاء جسد يسوع, وبتداخلنا فيه نجد أن نفس الروح هو الذي يحركه بأكمله. إرادة الله وعمل الله الذي صار إنسانا يتحقق بدافع وعناية الروح. ولكي نتحد بهذه العناية, بهذا الإلهام, يرسل يسوع "روحه" للبشر, وكلما أدخلنا الروح بالعمق, يغرسنا أكثر فأكثر في المسيح, وهكذا نعرف أن الروح القدس هو روح يسوع كما يقول لنا الكتاب المقدس في أعمال الرسل (أع 16/7).
    لقد أعلن يسوع بذاته في المجمع بالناصرة "روح الرب عليَ" (لو 4/21). إن حياة يسوع بكاملها تتحرك وتتوجه بدافع من الروح. "لقد حبل به من الروح القدس" (لو 1/35) الذي يدفعه إلى البرية لكي يجرَب من إبليس (متى 16/12). يسوع يرتعش بالروح (لو 10/21) وقد تكلمنا سابقا عن نزول الحمامة واستقرارها على يسوع عند اعتماده. التقدمة التي يقدمها يسوع لذاته من خلال آلامه هي تقدمة ملهمة من الروح القدس (*). الكتاب المقدس لا يرينا الحمامة تستقر على الصليب حيث ذبح حمل الفصح الحقيقي (وقد استعمل الفن المسيحي في بداياته هذه الصورة), ولكن بما أن يسوع كان لديه الطاعة والشعور المرهف لأقل حركة أو همسة من همسات الروح, فهل يمكننا أن نشك بأن الروح هو الذي كان يوجهه ويعاضده في كل مرحلة من مراحل آلامه ؟.. وأخيرا , ونحن لا نذكر ذلك بما فيه الكفاية, أن الله أقام يسوع, بروحه, من بين الأموات, كما يعلن القديس بولص (رو 8/11), في يسوع نجد ملء الروح, والحياة التي يشركنا فيها هي نفس الحياة التي يحركها ويوجهها الروح.
 
*) (عب9/14)- علاوة على عمل الروح في آلام يسوع, ألا يمكننا الكلام (ولكن بكثير من الحذر والتمييز الضروريين) عن ألم الروح؟؟ فإذا أردنا أن لا نفرغ كلمات القديس بولص من معناها الإيجابي, وخاصة أن لا نضعف معناها " لا تحزنوا الروح القدس" (أف 4/30) و " لا تطفئوا الروح " (1تس 5/19). ألا نستطيع أن نقبل بأن هناك ألم مستمر للروح يحدث في عالمنا الخاطئ في كل مرة تطغي فيها خشونتنا على صوت الحمامة لتصبح كرداء سميك يمنع مبادراتها وهمساتها اللطيفة من الوصول إلينا؟ إننا نلمس هنا السؤال العميق والمعقّد " لألم الله ". فإذا كان الكمال الإلهي يستبعد وجود الألم بمعناه الإنساني كمظهر سلبي للوجود, أي الحرمان والعنف ألقسري, فإن بعض اللاهوتيين المعاصرين (وحتى تومائيين) لا يستبعدون إمكانية " ألم إلهي " ولكن بمعنى ما فوق-إنساني) (SUPRA-HUMAIN. إن الله يعرف في داخله ألم الإنسان, فكل أحواله الكيانية, بما فيها من المحدودية والعذاب, لها جذورها في كيان الله, دون أن ينقص ذلك أي شيء من ألوهته, بمعنى أن الله في عمله هذا لا يعاني الألم وإنما يأخذ على عاتقه وباختياره ألم العالم, وهو عمل حر لسيادته ولا ينقص بأي شكل من الأشكال من كماله, فالحب الإلهي يخلق بحريته الأعباء التي تخصه. إن الوحدة الإلهية تجعل الألم والنصر يحدثان في آن معاً. الألم الذي تم التغلب عليه, واستنارته, وتجليه, يصبح المادة التي يستخلص منها الله انتصاره. أن نقول بأن الله يتألم, لا يكون بالتفكير أو بنفس التعبير عن الألم بمعناه البشري, ولكن الإيمان بأن " شيئاً ما " في داخل الله يتطابق مع آلام الخليقة ولكن بطريقة متعالية تفوق الوصف.
 
VI
هذا العطاء للحياة, يعبَر عنه بالقول بأن الروح يظهر على شكل (نفخة), نسمة, ريح. الكتاب المقدس يوَحد التعبيرين, الحياة والنفخة. عندما خلق الله آدم, " نفخ في أنفه نسمة حياة, فصار الإنسان نفسا حَية " (تك 2/7), جاعلا هذا الخلق الأول, هذه النفخة الأولى, تهيئة لعملية خلق وعطاء ونفحة جديدة هي الروح.
   في صباح يوم العنصرة, " كان التلاميذ مجتمعين كلهم في مكان واحد, فانطلق من السماء بغتة دويٌ كأنه ريح عاصفة " (أع 2/2). ولكن ريح العنصرة هذه لم تكن أول نفخة للروح تعطى للتلاميذ, ففي مساء الفصح, ظهر يسوع القائم من الأموات لتلاميذه, ونفخ فيهم وقال لهم " خذوا الروح القدس " (يو 20/22) (*). لقد ظهرت الريح في صباح العنصرة, وكأنها تأتي من السماء, وكأنها ليس لها علاقة مباشرة مع يسوع, بعكس نفخة الروح التي أعطيت يوم الفصح والتي صدرت من يسوع بشكل واضح. الروح القدس أُعطي في ذلك الحين من يسوع, فطيران الحمامة قد تم انطلاقه وتوجيهه مباشرة من يسوع.
   هذه الاستمرارية بين ريح العنصرة والنفخة الأولى في الفصح, بين ريح الحمامة ونفخة الحمل, أكَدهما القديس بطرس. فبعد حلول روح العنصرة مباشرة, أعلن بطرس في خطابه إلى الناس "فيسوع هذا... نال من الآب الروح القدس فأفاضه, وهذا ما ترون وتسمعون" (أع 2/32-33). وكنتيجة لانتشار الروح " كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع تصطحبها قوة عظيمة " (أع 4/33).
    إذن كل من تلقى وقبل المسيح يملك الروح بنفس الطريقة الساكنة التي كان بها التلاميذ قبل العنصرة, ويبقى بعد ذلك أن يتم الحصول على هذه العنصرة (حتى ولو كانت غير ظاهرة لعيون الآخرين, حتى ولو كانت داخلية بشكل صرف) فبواسطة العنصرة يظهر الروح بقوة فينا وبواسطتنا. ولكن ريح العنصرة العاصف لا يعطى إلا للذين قد تمت تهيئتهم من قبل بنفخة المخلص المعطاة مساء الفصح. يَجِب أولا الاقتراب من يسوع والالتحام به بصمت وبشكل سري لنتلقى ونقبل من شفتيه الروح القدس الذي يعطيه.
   إن خبرة القديسين توحي بأن الريح العاصفة في العنصرة – أي مجيء الروح القدس بقوة – هي ظاهرة خارقة تفوق الطبيعة, وأنه غالباً ما نُدرك نفخة الروح, داخلياً, وكأنها همسة ناعمة جداً كالتي سمعها النبي إيليا على جبل حوريب. (**)
   النفخة, بالإضافة إلى تعبيرها عن إعطاء الحياة الإلهية, تُعبّر أيضاً عن شيء آخر. يقول يسوع لنيقوديموس " الريح تهُبّ حيث تشاء فتسمع صوتها ولكنك لا تدري من أين تأتي وإلى أين تذهب. تلك هي حالة كل مولود للروح" (يو 3/8) فالإنسان الذي يُسلم نفسه للروح يصبح شبيهاً بورقة تحملها الريح.
   الروح القدس يعمل فينا, إنه يُحرّكنا, ويختلف في ذلك عن الكلمة التي تُنيرنا وتعَلّمنا. كلمة الله تفعل في فكرنا وعقلنا, الروح يفعل في مشيئتنا. إنه يجعلنا نميل باتجاه القصد الإلهي. وليس لدينا هنا فعل متوازي فهما يتقاطعان في كل لحظة. مهما كان العمل الذي يدفعنا إليه الروح واضحاً, فإن الهدف الذي يريدنا أن نصل إليه في النهاية, هو يسوع. في كل اندفاع من روحنا تجاه يسوع يوجد هناك الروح. أن نُسلم أنفسنا لهذا الاندفاع, ذلك هو الإتحاد مع الروح, وهذه هي العبادة الأساسية تجاه الروح القدس.
   هناك عدة درجات من الحياة المسلّمة للروح. يُحاول البعض أن يكونوا أوفياء للقواعد والمفاهيم بدون أن يحاولوا الانفتاح بصراحة وصدق نية لإلهام الروح. آخرون يسلمون أنفسهم لدافع الروح في بعض المناسبات الكبيرة والنادرة, وغيرهم يعلمون في ضمائرهم بأن, أمام الله, كل المناسبات كبيرة, وليس هناك فعل يُعتبر صغيراً أو بدون أهمية, وأن كل اختيار حر, كل خطوة مهما بدت غير ذات أهمية : كلمة تُقال, رسالة تُكتب, قراءة معيّنة, توجّه يتم السير فيه الخ... يُمكن أن تتم بإرشاد من الروح الإلهي. إنها حياة مُرشدة, وفي درجة أعلى يمكن أن نُصبح أسرى الروح فلا نتقدم إلا مُقيّدين وموثقين به كما حصل للقديس بولس (***). إنها مراحل متعددة من الطاعة المُقدسة, المهم أن نبدأ من الموقع الذي نحن فيه وبالشيء القليل الذي نملكه.
 
*) نفس الفعل "خذوا" يوازي في نص العشاء السري "خذوا, هذا هو جسدي" (متى 14/22). الإنسان لا يستقبل الروح وهو مستسلم بشكل كامل, وإنما عليه أن يأخذ الروح بطريقة فاعلة.
**)1مل 19/11-13) فقال الرب " أخرج وقف على الجبل أمام الرب " فإذا الرب عابر وريح عظيمة وشديدة تصدّع الجبال وتحطم الصخور أمام الرب. ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزال, ولم يكن الرب في الزلزال. وبعد الزلزال نار, ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت نسيم لطيف. فلما سمع إيليا, ستر وجهه بردائه ووقف في مدخل المغارة. فإذا بصوت إليه يقول " ما بالك ههنا يا إيليا ؟ "
***) (أع 20/22) وهاأنذا اليوم ماضٍ إلى أورشليم أسير الروح, لا أدري ماذا يحدث لي فيها.   
 
   الحمامة التي تُحلّق فوق المسيح في الرؤيا التي رآها يوحنا, تمثل الفعل المُرشَد, الإرادة الموجّهة, فعل الروح المُرسَل من الآب نحو الابن لكي يستقر عليه.
 
VII
     لم ينزل الروح على التلاميذ بشكل حمامة في صباح العنصرة, وإنما " ظهرت لهم ألسنة كأنها من نار قد انقسمت فوقف على كل منهم لسان" (أع 2/3), ماذا تُمثّل هذه الألسنة ؟...
   كل تلميذ تلقى لسان من نار, وبهذا الشكل رُسمت الحياة الشخصية بحسب الروح. الرسُل, أم الرب, "وإخوته", النسوة الأخريات, باقي التلاميذ الموجودين, كلهم تَلَقوا بنظر الجميع كمية متساوية من الروح, وأخذوا مباشرةً "يتكلمون بلغات غير لغتهم على ما وهب لهم الروح أن يتكلموا" (أع 2/4). إننا لسنا بصدد فحص ما كان التكلم "بلغات غير لغتهم" في يوم العنصرة. هل كانت معرفة مواهبية وعجائبية للّغات المستعملة في ذلك الزمن ؟...أم أن الرسل كانوا يتكلمون باللغة الآرامية, بينما كان المستمعين يسمعونهم كلّ بلغته ؟.. أم أن المستمعين حصلوا على معرفة روحية مباشرة لمعنى الكلام, وبشكل مستقل عن الكلمات التي يُنطَق بها ؟.. أم أن ذلك كان شيئاً مماثلاً "للتكلم بلغات"(GLOSSOLALIE) الذي حدث في كورنتوس في وقت لاحق ؟.. لا يهم, وسيكون من عدم التبصّر إغفال موهبة " التكلم بلغات" كظاهرة روحية مُحتملة في عصرنا. غير أن التكلم بلغات مختلفة في صباح العنصرة يمكن أن يأخذ طابعاً يومياً وبدون أن يكون مشهداً غير عادي, فما يلزمنا هو أن نجد, وبالأحرى أن نحصل, بحسب ما يُعطينا الروح على اللغة, العبارات, التي يمكن أن تصل إلى الأشخاص الذين نتوجه إليهم ,بما هو بالأحرى أكثر من الكلام, أي كلام القلب للقلب. هذه هي نعمة العنصرة التي يمكننا, بل يجب علينا المثابرة في البحث عنها.
   إن اللسان, كعضو, له أهمية كبيرة فيما يخص الروح القدس. لقد كان العبرانيون مأخوذين جداً بهديل, بأنين الحمام. الحمامة هي الصوت الإلهي الذي يُعتبر فيه, اللسان, العضو المنظور. الآب يُفكّر وفكره هو الفعل, اللوغوس, الكلمة, هذه الكلمة يحملها الصوت الذي هو الروح.
   ولكن, ألا يتلفظ الروح بكلمات خاصة به ؟ ألا يتحدث إلينا أحيانا كما يُكلمنا الابن ؟ أعمال الرسل تأتينا بعدة أوامر مُعطاة من الروح. وفي الحقيقة فإن أية كلمة إلهية هي كلمة من يسوع, من الذي هو الكلمة بذاتها, الكلمة الذي صار جسداً. الروح لا يتكلم من عنده كما يقول لنا المخلّص. لماذا إذن هناك بعض الكلمات التي تُنسب إلى الروح ؟ يجب أن نلاحظ أن تدخلات الروح هذه, نادرة جداً ومُختصرة, وهي تتضمن أوامر معينة أو توجيهات مُحددة مثل "افردوا برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (أع 13/2). كما منع الروح القدس بولص وتيموتاوس من التبشير بكلمة الله في آسية ولم يأذن لهما أيضاً بالذهاب إلى بيثينيا (أع 16/6-7). لم يُكتب بوضوح فيما إذا كانت هذه التعليمات قد تم التعبير عنها بكلمات, والحالة الأولى التي ذكرناها هي الحالة الوحيدة التي نرى فيها جملة خاصة بالروح القدس. يؤكد الروح لبولص بأنه في كل مدينة ستنتظره الشدائد, والسلاسل (أع 20/23) وهنا أيضا تظهر رسالة مختصرة وعملية لا تتكرر في أي نص آخر.
   إننا نعترف في إيماننا, بأن الروح "تكلم بالأنبياء". هذا يعني أن الروح أعدّهم, وجعلهم يتوافقون مع الإرادة الإلهية, ودفعهم لكي يتقبلوا وينشروا كتابياً ما تلقوه من كلمة الله, ولكن الروح لم يكن الكلمة.
   فالروح إذن يختلف بشكل أساسي عن الكلمة, وهو مع ذلك الحامل والمُعلن للكلمة بما أنه صوتها. يوجد بين الروح والكلمة نفس العلاقة التي توجد بين الصوت والكلام. الصوت, بإيقاعاته وتبديلاته يُعطي صفة فردية وشخصية للمضمون الموضوعي للكلمة الموجّهة بشكل واحد للجميع, إنه يجعلنا نستوعب الكلمة.
   الروح لا يؤثر فقط على إرادتنا ويدفعنا للعمل, وإنما هو "كصوت" يتلفظ الكلمة ليجعلها تتطابق مع عواطفنا وذلك بتأثيره على مشاعرنا, كما أنه يوافق تماما بين الكلمة, وكل نفس يتوجه إليها فهو يشحن الكلمة ذاتها بتدرج مختلف وذلك وفق الشخص الذي يسمعه. إن الحوار مع الروح القدس ليس مستحيلاً , ومع ذلك , وعند وجود أي حوار, فهناك حوار مع اللوغوس, مع يسوع. يسوع هو الذي يتكلم, والروح هو الذي يحمل كلمته إلينا, إلى داخل ذاتنا. إن رسالة الحمل يتم نقلها إلينا بصوت الحمامة.
 
VIII
   الألسنة التي نزلت على التلاميذ كانت "كألسنة من نار " (أع 2/3). إننا نلمس هنا وجهاً آخر للروح, يوجد علاقة حميمة بين الريح, والاشتعال, بين النفخة ونار الروح. النار هي اشتعال غازات أو أبخرة في الهواء ولا يوجد نار بدون هواء. شعلة الروح تُظهر بشكل مرئي نفخته التي لا تُرى فالاشتعال يجمع بين الروح والكلمة لأن النار تُعطي النور والحرارة (*). العنصر المُضيء هو الكلمة, النور الأسمى, نور العالم يُضيء كل البشر. ولكن لا يمكن أن
 
*) قد يجد البعض أننا نتكلم بإسراف حول مقارنات مادية للموضوع, ولكن ألا يمكن لأي مسيحي أن يعتبر أن العالم المادي هو مجموعة من العلامات وأن كل علامة فيه هي حقيقة روحية ؟   
 
 نتبيّن النار بدون هذا الاشتعال اللامرئي الذي يُطلق الحرارة وهو عمل الروح, الاشتعال أو الاتقاد, وهو فعل الروح القدس, يُظهر النور, المسيح, فالحمامة تُشير إلى الحَمَل.
   في كل فعل للروح يوجد اتقاد, واشتعال مُضاعف. هناك ما يحدث في داخلنا, وما يحدث في داخل الروح. فمن جهة يحمل الروح ناره الذاتية إلى الذين يعمل فيهم, فيلهبهم ويُحرّضهم ويمنحهم تلك الحماسة والحيوية التي نسميها الحُب, الموّدة, محبة القريب. هنا أيضاً يعمل الروح, لا في الذهن, وإنما في الإرادة والشعور, فيجعل من ذاته انفعالاً داخلياً. صحيح أننا نتضرّع إلى "أنوار الروح القدس" ومع ذلك فإن الروح القدس ليس النور, إنه يُظهر, ويبيّّن النور الوحيد, يسوع, إنه يُبرز النور كما يُبرز الاشتعال الضوء.
   لقد قلنا أننا نفهم, بشكل اعتيادي, أن السنة العنصرة تعني بأن اللغة التي يعطينا إياها الروح, تمكننا من التكلّم إلى القلوب المتنوعة. ولكن هذه اللغة الجديدة يجب أن تكون مُشتعلة, مُحرقة, وبنفس الوقت دافئة وحنونة, وهذه هي الصفات المميزة للروح. هكذا نحصل على تلك اللغة النارية, وحينئذ, الروح, الصوت, اللسان, يوّلد الكلمة, ابن الله, الفعل.
    ولكن, ويا للأسف, هل يمكن لهذا الخشب الرطب الذي هو نحن أن "يشتعل", أن تشتعل بنا نار الروح ؟؟.. ما هو ليس باستطاعة البشر مُستطاع للرب. لقد سكب النبي إيليا أربعة جرات من الماء, "ثلاث مرات" فوق المحرقة, وجرى الماء حول المذبح, وبالرغم من ذلك فإن النار التي سقطت أحرقت المذبح والذبيحة (1 مل 18/30-38). لذلك وبالرغم من كل خطاياي, فإن نار الروح يمكن أن تنسكب عليها في هذه اللحظة, إذا أردت أن أقدم ذاتي. إن الذي يُشعله الروح يحترق احتراقا ذاتياً, إذ حيث توجد النار هناك شيء ما سيحترق ويفني ذاته. النار يجب أن تتغذى, الشعلة المتأججة في داخلنا يجب أن تلتهم كل ما هو ليس من عند الله. يقول القديس بولص, بأن البناء الذي يُشاد لا بالذهب والحجار الثمينة, وإنما بالخشب والهشيم والتبن, سيُمتحن بالنار, وأن صانعه سيخلُص, ولكن كمن يخلُص من خلال النار (1كو 3/12-15). يجب أن نبدأ منذ الآن, التطهير بنار الروح, بأن نقدم ذواتنا كحبات بخور موضوعة على جمر مشتعل.
   من ناحية أخرى, فإن الروح يشتعل أزلياٍ, بدون أن يفنى أي شيء فيه, لأنه النقاوة الكاملة, والقداسة التامة, إنه العليقة المشتعلة التي رآها موسى " كانت العليقة مشتعلة بأكملها بدون أن تحترق " (خر 3/2). ألا نقول مع موسى " سأحيد عن الطريق لأرى هذه الرؤيا العظيمة, ولماذا لا تحترق العليقة ؟ " (خر 3/7).
    عند الوصول إلى درجة معينة من الحرارة يحدث غليان. إن بعض الظواهر التي رافقت نزول الروح يوم العنصرة تذكرنا بهذا الغليان, بهذا الفوران, فوران الروح, فقد حصلت حوادث شفاء, كلام جديد, تدخلات إلهية مذهلة. من الطبيعي أن نتساءل لماذا لم يعُد يحصل هذا التدخل الإلهي, أو أنه يحصل في حالات نادرة. في أغلب الحالات يُسبب ذلك نقص إيماننا أو خجلنا. هل نجرؤ اليوم أن نضع الأيدي على المرضى؟.. هل نجرؤ أن نتقدم خلال عالم مُعادي لنا ونحن مُسلّحون فقط باسم يسوع؟ ولكن قوة الروح لم تتوقف ولا تزال تُظهر المسيح. كان تاريخ القديسين يُبين لنا نعمة العنصرة التي تظهر بغتة في لحمة الحياة اليومية, وفي أغلب الأحيان لا نتبين هذه النعمة لأننا نكون بانتظار حوادث خارقة. ولكن صفة الروح ليست إظهار أشياء عجائبية (خارقة) وخارجية, فالذين يطيعون الروح يصبحون قادرين على صنع أشياء عادية بطريقة غير عادية, والقيام بأي عمل, مهما كان, ولكن بنيّة جديدة وهدف سامي. هذا " الغير عادي " لا يظهر للعيان, ومع ذلك فإن كل شيء يتجلى ويتجدد, فالجديد لا يزال جديداً ولكن حرارته تغيّرت فقد حُميّ بالنار وأصبح لونه أبيض.
 
IX
   لننظر مرة ثانية إلى الحمامة ليس كشيء مادي ولكن لأنها الشكل الحيّ الوحيد الذي ظهر الروح من خلاله. في معمودية يسوع, كان نزوله كهبة, الهبة المُعطاة من الآب لابنه الوحيد, فقد أُعطيت الحمامة للحمل. إن أعمق ما في سر الحمامة هو بالفعل ظهور الروح كهبة, وبالأحرى, إنه الهبة بذاتها. يقول بطرس الرسول " ستنالون هبة الروح القدس" (أع 2/38) : سفر أعمال الرسل بكامله, يُظهر إلى أقصى درجة أن الهبة – هبة الله- والروح هما شيء واحد. الآباء اليونانيون دخلوا في عمق هذا المفهوم فقالوا بأن الروح ليس فقط " الواهب " أي الذي يُعطي الهبة, وإنما هو الهبة بذاتها وبالمعنى المُطلق, فهو " الذي يُعطي ذاته "بل وأكثر من ذلك, إنه والهبة شيء واحد, وهو أيضاً فعل العطاء لأن الروح يُظهر ذاته بهذا الفعل. كما أن وجوده آنياً ومستقبلياً هو , نوعاً ما, إفناء لذاته وذلك بإعطائه ذاته إلى ما لانهاية, فهو الكرم, الخصوبة, العناية والسمو, لذلك نرى أنه من الصعب الإمساك بالروح, فلا نكتشفه إلا عندما يوصل ذاته للآخرين, ونشعر بأنه يختفي عندما نحاول أن نتبينه أو نثبته في مكان معيّن , فهو حركة دائمة تنحى إلى أن تستقر فوق آخر, وآخر, وآخر, لكي تقودهم جميعاً نحو الحمَل. إنه يُفرغ ذاته في لُجة عميقة من التدفق ونكران الذات, وهو لا يُظهر ذاته إلا " نحو" أو " بقرب الآخر", ولأنه دائماً " الوجود إلى جانب..." يسميه يسوع "البارقليط" (*).
   في حياتنا الشخصية يمكننا أن نختبر الروح كهبة. عندما نطلب من الله أية طلبات أرضية, فنحن لا نستطيع أن نتأكد بأن هذا الطلب مطابق لمشيئته. ولكننا متأكدين دوماً من طلب معيّن نعلم بأن الله سيستجيب إليه, إذغ لم نضع نحن العراقيل في طريقه, إنها الهبة العظمى أي طلب الروح القدس. يقول يسوع " إذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأبنائكم, فما أولى أباكم السماوي أن يهب الروح القدس للذين يسألونه " (لو 11/13). إنها معمودية الروح, معمودية يمكن الوصول إليها دائماً, كما يمكن تجديدها دائماً, بشرط واحد, هو أن نقدم ذاتنا بإخلاص, إلى الحمامة (**).
 
*) تُرجمت عبارة البارقليط في أغلب الأحيان (المعزي) ولكن معناها الفعلي هو " الشخص الذي نطلبه ليكون بجانب...". الروح هو بجانبنا كصديق, مساعد, مدافع ضد العالم. يسوع ذاته هو (البارقليط) بالنسبة لنا, فهو شفيعنا عند الآب (1يو 2/1), ولكنه يُعلن مجيء بارقليط آخر (يو 16/13). البارقليط الثاني هو الروح, إنه محامي يسوع الذي يقف بجانبنا, والمدافع عن ما يخص يسوع, فهو الذي يذكّرنا به, وصدى لكلامه. بهذا المعنى يمكن أن نقول أولاً بأن الروح هو المعزي, فقد أُرسل للتلاميذ ليعزيهم عن غياب يسوع المنظور, ومن ناحية أخرى, فإن الروح يعزينا في أحزاننا اليومية لأن هذه الأحزان هي جزء من الحزن الكبير وهو عدم رؤيتنا للمخلص.
**) بضع كلمات حول "معمودية الروح" قد لا تكون بدون فائدة. يقول يسوع لتلاميذه " وستُعمّدون بالروح القدس خلال أيام..." (أع 1/2). إنه حتماً إعلان العنصرة, ولكن كنا قد رأينا بأن الرسل قد تلقوا الروح في ليلة الفصح وقبل العنصرة, إذن ما يميز معمودية الروح هو نزول الروح بكثير من القوة, وهذا المجيء للروح لا يظهر أبداً كما وكأنه يتعلق بشروط خارجية مؤسساتية أو خدمية.
 
X
   الروح هبة, إنه الهبة المُعطاة لنا, ويمكننا اختبار حقيقة الروح كهبة, ولكن مفهوم الهبة يسمح لنا أيضا, وبطريقة متواضعة, أن نتوصل إلى بعض الوضوح حول العلاقات الشخصية بين الحمامة والحَمل وأيضاً مع الآب, الذي يُرسل بشكل غير منظور الحمامة على الحَمل. نتوصل هنا هذا السر الذي لا يمكن سبر أغواره أو إدراكه للأقانيم الإلهية الثلاثة, وما سنقوله بهذا الخصوص سوف لن يكون بالفعل سوى تمتمات فقيرة.
   هناك عدة طرائق لفهم شخصية الروح القدس, ويمكننا أن نصفه حقاً كعلاقة, لا علاقة مجرّدة, وإنما أساسية وحيّة في داخل الله: خاصيته هي الإنبثاق (كما إن خاصية الابن هي "البنوة" وخاصية الآب هي "الأبوة"). ويمكننا أن نأخذ كنقطة انطلاق أو كتعبير للمقارنة النشاطات النفسية للإنسان: وبذلك نعقد علاقة خاصة بين الكلمة لإلهية وفكرنا, أو بين الروح وإرادتنا, حيث أن الآب هو مصدر هذا وذاك. وقد حاول مفكرون أتقياء الوصول إلى الروح القدس بحسب خط آخر, وذلك من خلال مفهوم الهبة المُعطاة من شخص لآخر, عندما يكون الشخص الأول مُعطياً لذاته.
   الله محبة, أقنوم الآب هو الذي يأخذ المبادرة فهو نبع المحبة, الآب هو المُحب الأول,الحنان غير المخلوق, القلب الذي ينبع منه كل شيء. أقنوم الابن هو المحبوب الأول, وبالتالي فالابن هو أيضا مُحب, ولكنه أولاً محبوب, الابن الحبيب. هل نصف الآن الروح كمحبة المُحب الأول للمحبوب الأول ؟..إن ذلك نوعاً ما لصحيح, ولكن إذا كان من السهل أن نتصور المُحب والمحبوب كأشخاص, فإنه من الصعب شخصنة الحُب, الذي يبدو بالأحرى نوع من حالة روحية (نفسية). وهكذا نجد أننا نصل إلى مفهوم شخص ثالث (ولا يمكن أن يكون هناك أكثر من ثلاثة, لأنها العلاقات الثلاثة الشخصية الوحيدة التي يمكنها أن تتم بدون اختلاط الواحد بالآخر).
 
 
 عند اهتداء شاول,تلقى الروح قبل أن يعتمد بالماء وذلك بوضع الأيدي من قِبل حنانيا, الذي كما نعلم, لم يكن لديه أي تفويض رسولي بهذا الخصوص. كذلك المهتدين من Joppe " تعمدوا بالروح القدس" قبل أية معمودية بالماء. ومن ناحية أخرى فإن نزول الروح القدس هو ظاهرة متجددة, فالأخوة الذين تلقوا الروح في العنصرة " امتلأوا بالروح القدس" مرة أخرى, ذلك بالإضافة إلى ظواهر عنصرانية " كاهتزاز الأرض" عند التحرر ألعجائبي لبطرس ويوحنا , والصلوات الجماعية لطلب تحقيق هذه العجائب باسم يسوع (دوماً الثنائي يسوع والروح). إن معمودية الروح بحسب المعطيات الكتابية, يظهر كتدخل إلهي مستقل عن أية مؤسسة أو تراتبية كنسية. إن أي شخص يمتلك الروح, يمكنه, إذا أراد الله ذلك, أن ينقله إلى الآخرين, ليس بشكل تقديسي, وإنما غالباً, بطريقة صامتة وضمنية خلال حياتنا اليومية. فالروح يمكنه أن ينزل علينا في حميمية غرفتنا كلما طلبنا مجيئه بشكل حقيقي.
   مفهوم شخص ثالث (يشارك في المحبة) أي أن يُحب ويُحَب, ووضعيته بالنسبة للشخصين الآخرين ستكون علاقة (شركة في المحبة Condilection), من دون أن يدخل عنوةً أو تطفلاً إلى دائرة المحبة الإلهية المتبادلة. هذا (الشخص المُشارك في المحبة Condilectus ) والمساوي للآب والابن, سيكون الهبة, أكبر هبة ممكن أن نتخيلها, هبة من شخص يُعطي ذاته (*), هبة مبدأها هو شخص الآب الإلهي, الينبوع الوحيد. (**)
   سوف لن نذهب بعيداً لندخل في مناقشات عقائدية, لنبقى ضمن هذا المنظور, هذا الشعاع الضعيف, سنقول فقط, على حد علمنا, بأن الكثير من المسيحيين الذين يجدون صعوبة في تفهّم الروح كشخص, يمكنهم أن يجدوا ضمن هذا المفهوم (الشخص-الهبة) منفذاً لصعوباتهم وأن يستوعبوا بقوة حقيقة الوجود "الشخصي" و"المُعطي" التي يُعطيها الروح القدس.
 
*) يمكن لرغبة الحب في النفس البشرية أن تساعدنا, من بعيد, على أن نفهم تعبير " الشخص-الهبة". لنتخيّل أن شخصاً أعطى ذاته بشكل مطلق وعميق إلى الشخص الذي يحبه, بحيث لا يبقى أي شيء يعطيه من ذاته, فما الذي سيرغب فيه الشخص المحبوب, لكي يُعطي هو أيضاً شيئاً ما ؟ فقط هذا : حب جديد, مساوي, ومطابق للأول. هذا الحب يتطلب نفساً حية, شخص ثالث يكون هبة تنبع من الكرم اللامتناهي للشخصً المُحب. هبة كهذه لا يمكن أن تتحقق من خلال التجربة الإنسانية, التي يمكنها أن تحلم بها فقط, ولكنها تجد كمالها في سر المحبة الإلهية.
**) التأكيد بأن الآب هو النبع, والمصدر المطلق, مقبول من الذين يسلّمون أن الروح ينبثق من الآب فقط, ومن قبل الذين يسلّمون أن الروح ينبثق من الآب والابن, وأيضاً بأن الروح ينبثق من الآب بالابن, والجميع يسلّمون أيضاً بأن الروح, المحبوب من الآب ومن الابن, يبادلهم المحبة التي هو موضوعها.
 
XI
   الروح يظهر للبشر كاندفاع نحو الابن, ولكن الابن هو اندفاع نحو الآب, صرخة نحو الآب. وكما ذكرنا سابقاٍ, فإن الصلاة التي يثيرها الروح في قلوبنا ليست – ما عدا بعض الحالات النادرة – صلاة تتوجه إليه, أو أنه منتهى هذه الصلاة. إنها صلاة موجّهة نحو الابن, ومن خلال الابن نحو الآب. لنستمع إلى القديس بولص " ولأنكم أبناء, فقد أرسل الله في قلوبكم روح ابنه الذي يصرخ, أبّا, أيها الآب " (غلا 4/6).
   يمكننا الدخول, على قدر استطاعة البشر, في ألفة الآب والابن, وذلك بأن نحاول أن نتحد بمشاعر الآب تجاه الابن وبمشاعر الابن تجاه الآب. يمكننا أيضا أن نحاول الاتحاد بمشاعر الآب تجاه الروح, وبمشاعر الروح تجاه الآب والابن, وبنظرة حب ورغبة حارة, سنحاول جهدنا أن نتطابق مع طيران الحمامة نحو الحَمل لندخل في ذلك الحنان, حنان الآب, الذي تحمله الحمامة للحَمل, ومع الابن سنحب الآب ومع الحَمل سنحب الحمامة.
   لا يمكننا الدخول بصلة مع أحد الأقانيم الإلهية الثلاثة, بدون أن نجد أنفسنا بنفس الفعل, على علاقة مع الاثنين الآخرين (*). إذا قلنا أن الآب أو الابن أو الروح يعمل فينا بهذا الشكل أو ذاك, يجب أن نضيف دوماً, أنه في كل من هذه الحالات هناك تعاون من قِبل الاثنين الآخرين. عندما نقرأ الإنجيل, يجب أن نكمل ما لا يذكره النص بشكل مُفصّل. إننا نقرأ بأن يسوع قال ذلك أو عمل ذلك, ولكنه قال وعمل ذلك بدافع من الروح. وعندما نقرأ في أعمال الرسل أن الروح أحدث نتائج معينة يجب أن نضيف في كل مرة أن روح يسوع, المرسل من قبله إلى البشر, هو الذي يعطي هذه النتيجة. وأخيراً لا ننسى النبع : الآب. أن نقرأ الكتاب المقدس بهذا الأسلوب هو التقوى والعبادة الحقيقية تجاه الروح القدس, بدلاً من محاولة عزل الروح أو تضييق حدود عمله الخاص.
   وحتى في العلاقات الغير ممكن تبادلها بين الأقانيم الثلاثة أي الأبوة, البنوة, الانبثاق, يبقى هناك وحدة عجيبة إذ لا يوجد بين " الثلاثة " أي تعارض أو تجاوز, وإنما "وضعية نحو" الاثنين الآخرين و"لأجل" الاثنين الآخرين, ومن ناحية أخرى نحونا ولأجلنا بواسطة النعمة المعطاة لنا. العلاقات الثلاثة الأساسية, والتي قلنا أنه من غير الممكن تبادلها, هي مع ذلك متناسقة لدرجة أنها تنتهي إلى المشاركة القصوى بين الثلاثة, ولأن هناك مشاركة إلى أقصى الحدود فهناك وحدة في الجوهر (**).
 
*) المغبوط أغسطينوس, عبّر بشكل رائع عن هذه الضرورة " لا يمكن تجزئة الحب, اختر بنفسك من تريد أن تحب, والباقي سيتبعه مباشرة... لا توارب عن الحب باسم حب آخر, في هذا الحب بالذات, الكل يتماسك"..
**)هذه التحفة الإيقونوغرافية الروسية " الثالوث" لأندريه روبليف, هي أفضل تعبير عن كل ما هو في نفس الوقت مطابق ومميز للأشخاص الإلهية الثلاثة. فالملائكة الثلاثة الجالسين على مائدة إبراهيم لهم نفس الوجه, نفس التقاطيع, ولكن التعبير والموقف يختلفان. الملاك الذي يمثل الآب يدُل الابن الى الطبق الذي يحتوي الحمل (ذبيحة التضحية) وذلك بحركة تمهيدية وبدون إصرار, حركة مختصرة, متحفظة, وكأنها غير حاسمة, حركة تقترح التضحية بشكل سري وتدعو إليه. الملاك الذي يمثل الابن يحني رأسه برقة وطاعة حزينة, هو أيضاً يمد يده نحو الطبق بحركة غير مترددة وكأنه يريد أن يستكشف. ولنلاحظ الملاك الثالث, الروح, إنه يثبت نظره على الابن بتركيز كامل وتعبير آسف, كل مل فيه ينطق بالمشاركة الوجدانية، والتعاطف والشفقة من "الآلام" المقبلة , إنه يملأ هنا وبشكلٍ سامٍ, خدمة البارقليط المعزي إلى جانب يسوع. التأمل في هذه الأيقونة يُدخلنا بشكل شخصي في العلاقة بين الابن والروح أكثر من الكثير من الصفحات المكتوبة. كما أن أيقونة روبليف تحمل قيمة رمزية أخرى, فهي عندما تعرض لنا الأشخاص (الأقانيم) الثلاثة على شكل ثلاثة ملائكة لهم ذات الجمال الرائع, تُبعد عنا صورة الشيخ ذو اللحية البيضاء, وتُظهر لنا أن جمال وشباب الابن هما انعكاس لجمال وشباب الآب الأبديين, كما تساعدنا أن نعي شخصية الروح, والذي هو أيضاً بصورة ملاك شاب ورائع. إن لرمز الحمامة, بالتأكيد, عمق قوي وسحر لا يوصف, ومع ذلك, إذا أراد الكثيرون منا الحصول على رؤية ملموسة للروح, فإن صورة الملاك الثالث, هذا الملاك الذي يشع بالجمال والشباب, ستساعدهم بقوة على الوصول إلى هدفهم.
     
   هذا ما سنصل إليه إذا تابعنا طيران الحَمامة إلى النهاية. إذا راقبنا من أين تأتي وإلى أين تذهب سنرى أن الحَمامة تستقر على الحَمل, كما في المعمودية, ونسمع صوت الآب, الذي أرسل الروح يقول "هذا هو ابني الحبيب"..
   لقد تطلعنا إلى الحَمامة والحَمل في هذا اللقاء الحميم للنفس مع إلهها. الروح ينادي الكلمة, صوت الروح الذي يصرخ فينا نحو المسيح ينضّم إلى صوت آخر, صوت الكنيسة الحقيقية الطاهرة والتي بدون عيب. إذا استمعنا بإخلاص إلى صوت الروح في داخلنا, فإننا سننضم إلى صوت الكنيسة. وماذا يقول هذان الصوتان ؟؟ " الروح والعروس يقولان: تعال " (رؤ 22/17). العروس هي الكنيسة, سفر الرؤيا يظهرها لنا كعروس الحَمل, صوت "الكنيسة المقدسة" يتطابق تماماً مع هذا الصوت الآخر الذي هو الروح بذاته, فهي تقول تماماً كما يقول هو, إنها الصدى لنداء الروح الذي, كما رأينا, لا ينفك يتوجه إلى يسوع قائلاً : تعال!..
   وهكذا فإن الفصل الأخير لسفر الرؤيا يرينا الكنيسة مشدودة, كالروح, نحو الحَمل, وبتحريض من الروح الذي يحركها, تلخص الكنيسة كل صلواتها نحو المسيح بهذه الكلمة : تعال !
   في داخلنا, يستمر الروح بالطلب إلى المسيح : تعال ! مئة مرة في اليوم, ألف مرة في اليوم, وبرقة ومحبة يعمل الروح جهده أن يُحدث في داخلنا التوجّه نحو يسوع, النداء ليسوع. هذه هي خدمته تجاه البشر, وسوف لن تكون عبادتنا فعلية تجاه الحَمامة إلا إذا بدافع من الكنيسة, ومع كنيسة الله نقول للحَمل " آمين. تعال أيها الرب يسوع " (رؤ 22/20).
 

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
بولس والرسالة الأولى إلى أهل قورنثوسالله واحد ولكنه ليس متوحدًا ومستوحشًا.. تأمل من وحي لاهوت القديس غريغوريوس النيصصي
قيمة الإنسان.. بحث في أنثروبولوجيا الآباءالفَلْسَفَةُ المَسِيحِيَّةُ
خصائص لغة الأمثال الرمزيةالقومية أو الثقافة في الكنيسة
المسيحيّون وهاجس الأعدادتأنسنَ الإله ليؤلّه الإنسان
الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس.. معاً نحو الوحدةالمسيحيّة والمؤسّسات
الحجّ رهبانيّة المسلمينقراءة في كتاب "شرح الأمانة" للأب الدكتور بيير مصري
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى