الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
محاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

مسيحيّو حلب و"الخط الهمايوني" و"قومة البلد" و"أحداث 1860"

  بقلم: الارشمندريث اغناطيوس ديك


انقر هنا للتكبير
 
بدأت الإصلاحات المعروفة بالتنظيمات في عهد السلطان سليم الثالث (1789- 1807) الذي عاصر الثورة الفرنسية واجتياح بونابرت لمصر. 
وتوطّدت في عهد السلطان محمود الثاني (1808-1839) الذي حرص على تحديث الدولة فقضى على الجيش الإنكشاري المشاغب وأعاد تنظيم الجيش وفق الطرق الحديثة وقضى على النظام الإقطاعي وعلى تمرّد ولاة الأقاليم ليوطّد السلطة المركزيّة. وكان يقدّر العناصر المسيحيّة التي كانت تشكّل الأغلبيّة في المناطق الأوربيّة من السلطنة ويعتمد عليها ولكنّه لم يصدر نصوصاً قانونيّة لتحسين أوضاعها، وكان يصطدم بعقليّة الفقهاء الجامدة. إلاّ أنه هيّأ الأجواء.
يقول بازيلي: "لم تصدر في تلك الفترة أيّة مواثيق خطّية عن التسامح الديني، عن المساواة بين كلّ الأديان ولم تعطَ أيّة وعود مهيبة للقبائل الخاضعة ولم تتبجّح الحكومة العثمانيّة بمبادئ خيريّة جديدة ولم تذرّ الرماد في عيني أوربا السريعة التصديق، ولكن الإرادة الشخصيّة الصلبة والصادقة لمحمود ذي الحكم المطلق أدخلت في الحكومة مبادئ جديدة للتسامح الديني ولجمت بصرامة تعصّب الشعب المؤمن" (1) ... "لجم محمود التعسّف بأوامره المتتابعة ولجمه أكثر بمثاله الشخصي وعمله وأعدّ عناصر النظام المدني القائم على مساواة بين المواطنين أمام القانون وعلى مسؤوليّة الأشخاص المعهود إليهم بالسلطة. لم يعلن أيّة نظريّات ولم يقطع على نفسه أيّة عهود مهيبة ولم يربط نفسه بأيّة التزامات ولم يصدر قوانين مستحيلة التنفيذ في تركيا. اقتصر على الإصلاح العملي ولم يكن يحبّ الترّهات" (2).    
 
 مراسيم عبد المجيد
كان عمر عبد المجيد17 عاماً لمّا خلف والده، ووقع تحت تأثير الوزراء الذين حدّوا من صلاحياته. وقد اصدر مرسومين إصلاحيين خطّي شريف غولخانة عام 1839 والخطّ الهمايوني عام 1856 وأدخل فيهما ذكر المسيحيّين ومساواتهم بالحقوق مع المسلمين إرضاء للدول الأوربيّة وإن لم تكن بعد الذهنيات مهيأة لمثل هذا الإصلاح الذي ترسّخ مع الوقت.
"في 22 تشرين الأول عام 1839 اجتمع في أحد أفنية القصر القديم، عند غولخانة (عريشة الورد) كلّ الأعيان وأعلى الموظّفين العسكريّين والمدنيّين والعلماء والرؤساء الروحيّون للشعوب التابعة وممثلو كلّ الشرائح. ودعا كذلك السلك الدبلوماسي إلى هذا الاحتفال ليكون شاهدا على الالتزامات التي وضعها السلطان على عاتقه طوعا. جلس السلطان في كشك مكشوف على مرأى الحضور المبرقشين. أخذ منه رضا باشا، وزير البلاط، الخطّي شريف وسلّمه إلى رشيد باشا المكلّف بتلاوته على الملا.
"وعد السلطان شعبه بتحويل جذري لقانون الدولة وباستئصال تلك الشرور التي اكتسبت قوّة القانون بحكم القدم والعنف. منع بيع المناصب والامتيازات، وكذلك الربا الذي يشكل باسم الرشوة ميزة كبيرة للسلطة ويمتد حتى إلى العرش. وتخلّى عن الحقّ في الإعدامات والتنكيلات التعسفيّة وكذلك عن الحقّ في مصادرة الممتلكات وعن كلّ الرسوم والضرائب التعسّفية. ومنح كلّ المواطنين بلا استثناء حرمة حياتهم وشرفهم وممتلكاتهم. ومنع استخدام السم والخنجر والتعذيب. وأمر بمحاكمة المذنبين علانية وعدم إعدام أيّ كان بلا محاكمة. وألغى احتكار المنتجات الغذائية وتلزيم الضرائب الحكوميّة وبنود الدخل. وأمر بالتوزيع الصحيح للإتاوات والفروض بما يتفق وموارد كلّ فرد. وإذ أشار السلطان إلى القروح المتأصلّة في الإمبراطوريّة عزا إليها تدهور التجارة والصناعة وإفقار الشعب ووهن الدولة، وأشار في الوقت نفسه إلى أفضليّات الموقع الجغرافي للمنطقة، وإلى غنى تربتها، وإلى قدرات السكّان، ووعد بأن يتوصّل في سنوات قليلة بقوّة هذا الخطّي شريف إلى الرفاه المبتغى ولهذا الغرض أمر الحكومة بوضع قوانين جديدة وإصدار مراسيم جديدة على الأسس الجديدة الواردة في الخطّي الشريف، وعلى المبادئ الأساسيّة للشريعة الدينيّة التي تبرّر الامتيازات التي منحها السلطان. لقد منحت إرادة السلطان هذه الامتيازات والحقوق كلّ المواطنين بغضّ النظر عن ديانتهم، أي أنه لم يجرِ إعلان التسامح الديني، بل المساواة الصارمة بين المسيحيّين والمسلمين. وأضاف السلطان في بيانه: "عربوناً لوعودنا هذه نقسم بالله أمام السنجق الشريف، راية النبي المقدّسة، على تنفيذها بدقة ونستقسم على هذا العلماء وأكابر أعياننا". 
"ثمّ تليت الصلاة، وقال الحضور جميعاً آمين، وقدّمت ضحايا كثيرة، ودخل السلطان يحمل الخطّي شريف في الغرفة التي يحفظ فيها السنجق الشريف وأقسم واضعاً يده على قدس الإسلام هذا، وأقسم خلفه كلّ الأعيان، وكلّ الوزراء، وكبار رجال الدين المسلمين".
لم يتمكّن هذا المرسوم من إجراء المساواة بين المسيحيّين والمسلمين أمام القانون إذ ظلّت شهادة المسيحيّين غير مقبولة في المحكمة ولم يتحرّروا من المحاكم الشرعيّة كما حقّق ذلك إبراهيم باشا.
ويورد الدكتور استرجيان في مذكّراته حادثاً طريفاً أورده له محافظ الموصل أثناء الحكم العثماني: سنة 1839 أصدر السلطان عبد المجيد فرماناً تاريخيّاً أعلن فيه بأن جميع المواطنين في الإمبراطوريّة العثمانيّة متساوون أمام القانون المسلمين والمسيحيين لا فرق بينهم. وكلّ منهم حرّ في انتماءاته الدينية والفكريّة. ومن الطبيعي أن هذا الفرمان قد أعلن وقرئ أمام الشعب في كلّ المحافظات وعبّر كلّ مواطن برضاه وشكره وحمده لله وهتف بحياة السلطان إلاّ أنه مما جرى في محافظة سمسون من جرّاء هذا الإعلان أنّه عندما قرأ الفرمان في مجلس إدارة السراي في الولاية السكرتير الأول، بعد انتهائه من قراءته وجّه سؤالاً إلى حضرة المحافظ (الباشا) قائلاً: "عزيزي الباشا من الآن وصاعداً هل سنقول للسيّد كره بيت أفندي العضو في المجلس لقب كاور (كافر) ؟ أجابه السيد المحافظ: حضرة رئيس الكتاب، كره بيت أفندي قبل أن يكون كاور هو كاور. ولكن الآن لا نقول له كاور..." (3).
 
الخطّ الهمايوني
صدر في 18 شباط 1856 تزامناً مع مؤتمر باريس وقد ضغطت الدول الغربية على السلطان عقب حرب القرم لإجراء إصلاحات جذرية داخلية ولاسيّما بالنسبة إلى المساواة في الحقوق بين كلّ رعايا السلطنة دون تمييز بين المذاهب أسوة بما قام به إبراهيم باشا مدة حكمه.
صورة خطّ همايوني يعمل بموجبه: "من حيث قد تأكّدت وتأيّدت التأمينات التي صار الوعد والإنعام بها التي تمنح جميع تبعة شاهانيتي من أيّة ملّة أو مذهب كانوا... يصير استعمال الوسايط الفعّالة لإبرازها إلى الفعل تماماً وكذلك جميع الإنعامات الروحيّة والامتيازات التي أعطيت من طرف أجدادي العظام وصار منحها في هذه السنين الأخيرة لجميع المسيحيّين وسائر الجماعات الذين ليسوا بإسلام قد تقرّرت الآن وأثبتت ... فيلزم كلّ جماعة أن يبادروا إلى رؤية امتيازاتهم وإنعاماتهم ويعرضوا لدينا ما يقتضيه الوقت وآثار التمدّن من الإصلاحات ... ثمّ إنّ الرخصة والسلطة المنعم بها على بطاركة المسيحيّين ومطارنتهم من السلطان أبي الفتح محمد خان الثاني الساكن في الجنّة أو من خلفائه العظام يصير تطبيقها... أمّا مصالح جماعة المسيحيّين وساير التبعة غير المسلمين فلتصر إحالة إدارتها إلى مجلس مؤلّف من أعضاء منتخبين من رهبان وعوام كلّ جماعة ... ويصير اتّخاذ التدابير الفعّالة لتأمين الذين يكونون تابعين مذهباً ما على ممارسة ذلك المذهب بكمال الحريّة ... وجميع التعييرات والتمييزات التي تدلّ على أن صنفا من تبعتنا أدنى درجة من صنف آخر من حيث المذهب أو اللغة أو الجنس فهذه تصير إزالتها مؤبدا ... لا يمُنع أحد من تبعة شاهانيتي عن إجراء شعاير دينه ولا يحصل عليه جور أو أذيّة ... ولا يجبر أحد على تبديل دينه ومذهبه. إنّ جميع تبعة دولتي من أيّة ملةٍ كانوا سيصيرون مقبولين في مأموريّة الدولة بحسب أهليّتهم ... وفي مكاتب دولتنا العسكريّة والملكيّة بلا فرق ولا تمييز ولتكن كلّ ملّة مأذونة بعمل مكاتب للملة للعلوم والحرف والصنائع ... ثمّ إن جميع الدعاوى بين المسلمين والمسيحيين وغير المسلمين تصير إحالتها إلى دواوين مختلطة ... والمتداعين والشهود يثبتون تقريرهم بيمين يجرونها على قاعدة معتقدهم ومذهبهم .... كذلك المساواة في الحقوق تستلزم المساواة في الوظايف ولذلك يكون المسيحيون وغير المسلمين مجبورين بإعطاء حصّة عسكريّة نظير الإسلام وتجري بذلك أصول البدل والإعفاء من الخدمة بتقديم دراهم نقديّة ... فأنت أيها الصدر الأعظم تبذل جلّ الهمّة في إشاعة فرماني في دار سعادتي وكامل أطراف ممالكي ... تحريراً في جمادي الأخرى 1272 .
صدى هذه التدابير:
"إنّ هذه التدابير التي تحرّر المسيحيّين، وتجعلهم على قدم المساواة في الحقوق والواجبات مع سائر أتباع السلطنة العثمانيّة، لم تكن لترضي المسلمين والدروز الذين كانوا من أمسِ فما قبل هم الأسياد، والمسيحيّون موالي لهم وعبيدا. فكانت ردّة الفعل عند مسلمي بعض البلدان عنيفة جداً، فهاجوا وماجوا ودفعهم تعصّبهم الديني إلى ذبح عدد من مواطنيهم النصارى الأبرياء: ففي 16 تموز 1858 مثلاً، ثار الأوباش في جدّة، فذبحوا قنصلي فرنسا وإنكلترا وتسعة عشر مسيحياً، كذلك حصلت مذبحة مماثلة في بوسنيا وللسبب نفسه". (4)
أمّا في لبنان وسوريّة فلم تمضِ سنوات حتى كانت فترة اللجوء إلى العنف والإبادة قد نضجت لتسفر عند أول سانحة عن انفجار هائل.   
أتى المعلّم نعوم بخاش على ذكر الخط الهمايوني في يوميّاته (مطلع آذار 1856) "ونهاره جايه قنصل الفرنساوي ويومها معزومين الروسا والتجار لقراءة فرمان جايه من عبد المجيد عن التساوي النصارى واليهود والإسلام سوا ما في فرق بينهم غير الديانة وحاوي 13 و 17 بند. بعد نعرف إن سلكوا بموجبه والخراج بطال وشهادة اليهودي والنصراني تسلك على المسلم" (5).  
يشكّك المعلمّ بخاش بفاعلية المرسوم السلطاني" بعد نعرف أن سلكوا بموجبه، وجاء في مخطوط غفل رقم 66 في المكتبة الشرقية ببيروت تحت عنوان أحوال النصارى بعد حرب القرم ص 21-25 وصف لصعوبة تقبّل عامة المسلمين لهذا القرار.
إنّ "قومة البلد" في حلب عام 1850 و"طوشة النصارى" في دمشق علاوة على أحداث لبنان 1860 كانت من ذيول انفتاح إبراهيم باشا على النصارى وردّاً على الإصلاحات التي نادى بها الخط الهمايوني.
 
قومة البلد
تركت هذه الحادثة تأثيراً كبيراً في ذاكرة الحلبّيين. وقد تطرّقتُ لها مطوّلاً في كتابي "الحضور المسيحي في حلب خلال الألفين المنصرمين" ج2 مجلد2 ص 8-16. اقتصرت الفتنة في أول أمرها على النهب والحرق والتدمير ولم يقتل إلاّ عدد ضئيل من المسيحيّين. إنما اشتدّت حميّة المشاغبين وأرادوا القضاء على الوجود المسيحي لو لم يتغلّب عليهم الجيش بعد حرب دامت عدّة أيام.
يرى الشيخ كامل الغزّي أنّ عبد الله البابنسي الذي كان متسلّماً في عهد إبراهيم باشا وأُهمل في ما بعد هو المحرّك الأول للفتنة إذ كانت الدولة تطالبه بمبالغ كبيرة كان جمعها ووزّعها على أتباعه عوض أن يدخلها في الخزينة... إلاّ أنّ الأمور تضخّمت وأخذت طابعاً طائفيّاً وهوجمت الأحياء المسيحيّة واستدعي لمساندة سكّان الأحياء الشرقيّة الفلاّحون والبدوّ وكانت تحمّسهم الطبول وزغاريد النساء. والمعلّم نعوم بخّاش يصف الهلع الذي حلّ به لمّا سمع الغوشات والدق بالطبل والقواسات والعيطات "واليوم يومكم يا نصاره" (بخاش 2 ص207) والمطران بولس اروتين الذي كان ضمن مطرانيّته في الصليبه سمع الصراخ: "الله أكبر عالصليبة، اليوم يوم التضحية، يوم الغنيمة، يوم النصر والغلبة على الكفرة. من كان مسلماً فليلحقنا". ونساؤهم معهم تهيّجهم بالصياح والزغاريد (المجلّة السوريّة 1927 ص 82). والشيخ كامل الغزّي يقرّ ضمناً أنّ الثورة لم تكن مجرّد شغب أثاره زعماء محليّون لأسباب شخصيّة إذ يقول (6): "ولمّا وصلوا إلى محلّة الألمجي والماوردي قصدوا بطريرك طائفة الروم مكسيموس مظلوم وأرادوا القبض عليه لأنّه كان منذ أيّام إبراهيم باشا المصري وما بعدها يدور أحياناً بشوارع حلب وهو راكب بأبهة زائدة وموكب حافل يتلقّى المسلمون منه ذلك كإرغام لهم وتعالٍ".
وإنّ المعلّم نعوم بخّاش الذي كان يدوّن يوماً بيوم ملاحظاته في مذكّراته كان يترقّب هذا الانفجار سنة قبل حدوثه: "السبت 6 آب 1849 دخل البطريرك مظلوم إلى حلب من وراء العمارة بملاقاة كل نصارة الروم والعيان وكان القواسة 25 من عند القناصر و 8 من عند الباشا. وصار له دخله معتبرة...(مجلد2 ص 149). ويذكر في أخبار أسبوع 26 آب -1 أيلول "والبطريرك مظلوم داير يرد السلام ركب ومعه مطران 2 وقسوس 8 رافعين العكاز وقواس 2 بعكازين فضة بفنتظية معتبرة مثل وزير والإسلام قيلبين دمومهم ومقهورين" (مجلد2ص151). وفي أسبوع 9-15 أيلول 1849 "وحلب مشقشلة (مضطربة) بدها تقوم على النصاره والسبب لأجل عمارة الكنائس ومن البطريرك مظلوم لأجل أنه يركب ويرفع العكّاز بالأزقة والشوارع". (مجلد 2 ص153)
كان الجوّ إذن متوتراً وينتظر الشرارة لينفجر واستغلّ البابنسي مشاعر الشعب البسيط وغرائز النهب لدى البدو ليصل إلى مآربه. ولم يكتفِ الثوّار بالنهب بل حطّموا وأتلفوا وأحرقوا وقدّر العطل الذي حصل للمسيحيّين بمائة ألف كيس ما عدا مئات الجرحى وعدد قليل من القتلى. وأبدى القنصل الفرنسي ده ليسيبس والقنصل الإنكليزي واري شهامة لتقديم الإعانة الأولى للذين فقدوا كلّ شيء. وسلمت بعض البيوت من النهب إذ وضعوا عليها حراساً من جماعة الثوار مقابل مبالغ كبيرة، والمسيحيّون الذين كانوا يعيشون متجاورين مع المسلمين في الأحياء الشرقية الشماليّة حماهم جيرانهم المسلمون. وأظهرت السلطة العثمانيّة المحليّة دهاءً كبيراً للسيطرة على الأوضاع ريثما تصل الحامية التي توجّهت إلى دمشق والمزيد من الجنود، ونشبت معارك مع الثوّار إلى أن سيطرت القوات النظاميّة عليهم ونُفي رؤساء الفتنة. وكانت مهمّة كبرى أخرى تنتظر السلطة وهي إعادة المنهوبات والتعويض على المتضرّرين والأصعب إعادة الثقة للمسيحيّين. كان الباب العالي يصدر الأمر تلو الآخر بالتعويض على المسيحيّين لكنّ السلطات المحليّة كانت تتلكّأ في التنفيذ بسبب معارضة الوجهاء من غير المسيحيّين الذين وقع على عاتقهم دفع التعويضات. وأخذ المسيحيّون يتراجعون عن مطالبهم لأن الثوّار صاروا يتهدّدون المسيحيّين بأوخم العواقب إذا ما أصرّت الحكومة العثمانيّة على مطالبتهم جماعيّاً بتحمّل ثمن التعويض.. وجلّ ما ناله المسيحيّون هو بعض الدراهم من خزينة الدولة ساعدتهم على تجديد وترميم كنائسهم.
وهاجر العديد من المسيحيّين حلب بسبب القلق على أمنهم وتظهر الوثائق المعاصرة عدم اطمئنانهم. فقد ورد في مذكّرات مطران الموارنة بولس اروتين التي كتبها أربعين يوماً بعد الأحداث: "استقام حال البلد على هذا الحال مدّة عشرين يوماً والإسلام مع علمهم بأنّ المادة لم تنتهِ بعد، فيمين العلي ضبطهم عن فتنات كثيرة خاصة ندم الذي حلّ بهم بعدم قتلهم النصارى وإبادتهم في ذلك اليوم. الأمر الذي صاروا يلهجون بذكره دائماً في ندامتهم عن عدم قتلهم وتهديدهم بذلك في المستقبل". (7) ... ولمّا أسفر يوم الأربعاء (6 ت2) ابتدأ الحرب أيضاً بينهم (الجيش النظامي وأنصار البانسي) ولم يزل ثايراً من الجهتين حتى بعد نصف النهار. لكن ماذا تظنّ، أي خوف عظيم استحوذ على المسيحيّين في هذه الأيام الحربيّة لأنّ أجواق القوم ولميع أسلحتهم وضجيجهم وصياحهم حين مرورهم بالشوارع والأزقة كان عظيماً وكانوا يتوعّدون المسيحيّين أن بقي لهم من العمر ساعات قليلة. وبالحقيقة إنّ نواياهم الخبيثة قد كانت شهيرة أي أنهم مزمعون بعد أن يظفروا بالعسكر يبيدون كلّ نصراني من حلب ولا يبقوا لمسيحي أثر. والأموال الباقية فهي أموالهم، إلاّ أن المراحم الإلهيّة قد عجّلت بانقراضهم وانتصار حسام السلطة السنّية في أرقابهم" (8).  
ما الذي أوغر قلب هذه الشريحة من المسلمين ضدّ النصارى مع أنهم كانوا يعيشون منذ أجيال معهم بسلام ؟ لربّما صعب عليهم أن يروا النصارى يتحرّرون من وضعهم كذمّيين ويأخذون مكانتهم كمواطنين عاديّين. هناك شهادتان لمعاصرين تلقي بعض الضوء على هذه القضية: جاء من مخطوطة مختصر تاريخ حلب لجامعه عبد الله مراش ص 67: "وصلحت أحوال حلب في أيام إبراهيم باشا هذا ورأى من الحزم أن يترضى الفرنج فتحرّى المساواة في أحكامه بين المسلمين وأهل الذمّة من رعاياه فنشط النصارى من عقال الصغار الذي كانوا فيه قبلاً ونفضوا شعار الذلّ والمسكنة وعلموا أنّ لهم حقوقاً كغيرهم من بني آدم فأقبلوا يرمّمون ما كان متداعياً من كنائسهم وبنوا كنائس جديدة في حارة الصليبة التي تقدّم أنها مختصّة بهم. وصار أرباب دينهم يخرجون في الأزقة بالقلانس يحملون الصليب أمام الجنائز وكان كلّ ذلك محظوراً عليهم في حكم الترك. فلم يطب هذا الأمر لعامّة المسلمين ونقموا عليهم ولكنّهم كتموه في أنفسهم إذ لم يكن في وسعهم أن يبدوه فوغرت صدورهم وحقدوا وتربّصوا السوء بجيرانهم... وتوفي السلطان محمود... وخلفه ابنه عبد المجيد فجرى على السنن القديمة يولّي على المدن ولاة من الترك ثم يبدو له فيعزلهم بآخرين إلاّ أنّه لم يسعه إلاّ أن يترضّى من الإفرنج بأن يسلك في الظاهر نهج المساواة والعدل فأصدر فرماناً فيه من المواعيد العرقوبيّة بالمساواة والأمان ما اغترّ به الإفرنج وانخدع به النصارى فاستمرّوا على ما ألقوه أيّام المصريّين وازداد جيرانهم المسلمين حنقاً عليهم" (9).    
وكتب سكين القنصل البريطاني بحلب إلى سفيره في اسطنبول (31 آذار 1859) "إنّ المسيحيّين رعايا السلطان في حلب يعيشون في حالة الخوف بسبب ما أصابهم من النكبات منذ تسع سنوات على أنّ حالتهم ليست أسوأ منها من حالة سائر المسيحيّين في غير مدن الذين لم يشهدوا الفظائع التي حلّت في حلب سنة الخمسين. في تلك السنة نُهبت البيوت وقُتل الرجال من الأعيان وفُضحت نساء. فلا عجب أنّ من كانوا شهود عيان لتلك الحوادث يبيتون في الوجل والخوف فيخبئون أموالهم وعيالهم في البيوت ويتحاشون الخروج من الأحياء المسيحيّة. على أنّ الاحتلال المصري خفّف من شدّتهم لأنّ المسيحيّين قبل 1832 كانوا يُمنعون من ركوب الخيل وكانوا يُسخّرون في تكنيس الطرقات وحمل الأحمال ليبيّنوا خضوعهم وصبرهم ولم يكن المسلمون يخاطبونهم إلاّ بالاحتقار. وجاء المصريّون ولطّفوا من قساوة تلك المعاملة. ولمّا رحلوا عن البلاد لم تتجدّد المعاملات المشينة بحقّ المسيحيّين في الظاهر أمّا في الباطن فلم يحدث تغيير محسوس. ولا يزال المسيحيون يتحدّثون بما حلّ بهم من نكبات ويخافون من قومة البلد في كلّ عيد أو حفلة من أعياد أو حفلات المسلمين".
 
أحداث عام 1860
نتيجة التوتّر الذي حدث في لبنان بين الدروز والمسيحيّين لاسيّما الموارنة، اندلعت أواخر أيار ومطلع حزيران الأحداث المؤسفة التي راح ضحيّتها 11 ألفاً من المسيحيّين ماتوا قتلاً و 4 آلاف هلكوا جوعاً، وتشرّد منهم مائة ألف كما قتل أثنائها عدد من الدروز. وكان ذلك بتشجيع من السلطات التركيّة لإضعاف الأفرقاء اللبنانيّين وتوطيد سلطتها. إنّ هذه الأحداث كان لها خلفيّات سياسيّة وإن تذرّعت بالحماس الديني وأخذت شكل حرب أهليّة. وبينما بدأت تهدأ الأحوال ودعي الأطراف إلى لقاء مصالحة مطلع تموز 1860اندلعت أحداث دمشق بدون مبرّر إذ إن المسيحيّين الدمشقيّين كانوا مسالمين وعزّل. وهوجمت الأحياء المسيحيّة نهار الاثنين 9 تموز، وبدأ النهب والحرق والتقتيل ويقدّر عدد القتلى بعشرة آلاف مسيحي من أصل 35 ألف.    
 نورد هنا بعض الشهادات عن الأحداث:
في اليوم الذي أعلن فيه عقد الصلح في لبنان حدثت فتنة في دمشق... إذ ليس أشدّ تعصّباً من أهلها ...نهار الاثنين 9 تموز الساعة الثانية بعد الظهر هوجمت أولاً دار قنصل روسيا ثمّ أُضرمت النار في بيوت كبار تجّار المسيحيّين... إن الشوارع ممتلئة بالمتعصّبين وهم يصرخون دائماً اقتلوا المسيحيّين، أقدموا فقد سمح لنا بذبحهم، لا تبقوا على أحد" (10).  
    "قام بمذابح سوريّة أناسٌ أعماهم التعصّب والبغض، وشجّعهم على عملهم المجرم الحاكم التركي أحمد باشا، فهاجموا الحيّ المسيحي في 9 تموز 1860، فأحرقوه، وذبحوا، خلال بضعة أيام، الذكور الذين وقعوا بين أيديهم، وقد لعب اليهود في هذه الفتنة دوراً لئيماً، إذ كانوا يلقون الردم على المسيحيّين اللاجئين إلى الدهاليز والأوكار والآبار. إنّ ما استعمل من العنف، والوحشيّة، والأساليب الرهيبة، في هذه المذابح، قد حرّك في قلوب إسلاميّة عديدة، عاطفة الأخوّة الإنسانيّة النبيلة، فإنّ الأمير عبد القادر الجزائري قد أنقذ من الموت أكثر من ألف نصراني، وحمى بعض أعيان دمشق عيالاً مسيحيّة، وأنفقوا عليهم، ولولاهم لكان عدد الضحايا أكثر جداً. إنّ هذه الإغاثات الإسلاميّة أثارت غضب الأتراك.      
"في رسالة جوابية من عبد القادر إلى بعض مستوضحيه من القرّية في لبنان عن حوادث الشام، بتاريخ 18 تموز 1860، يقول: "في رسالتكم بتاريخ 13 الجاري، تستوضحوني عما حدث لي لمسيحيّي الشام، ففي 9 تموز ابتدأت الحرب على أثر معاقبة حاكم المدينة لبعض مسلمين تعدّوا على مسيحيّين. هجم هؤلاء المسلحون مدجّجين بالسلاح على بيوت المسيحيّين، فكانوا يقتلون ويحرقون وينهبون، وكان الجنود الأتراك يعاونونهم، متظاهرين بقصد تهدئة الثورة ويجارونهم بالقتل والنهب. حاول بعض المسلّحين المسنين إيقاف الحركة، لكن قوّاد الأتراك ... كانوا يدفعونهم بجنودهم ضدّ المسيحيّين التعساء. عند رؤيتي هذا، أسرعت لآخذ تحت حمايتي هؤلاء المساكين. مصطحباً معي جزائريّ فاستطعنا أن نخلّص رجالاً وأطفالاً ... نهار الأربعاء، بحجّة ملفّقة أنّ مسلمَين وجدا مقتولين، تجدّد القتال ... بيوت المسيحيّين تحوّلت رمادا ... الذين استطعت أن أجمعهم عندي من أوربيّين ومسيحيّين، أقدّم لهم كلّ ما يلزم ... أسأل الله أن يخلّص هؤلاء النصارى من هؤلاء البرابرة". إن بوجولات ناشر هذه الرسالة، يعلّق عليها أن عدد الضحايا قد بلغ ما بين ثمانية وعشرة آلاف".
 ونشرت مجلّة المسرّة عام 1913 (ص 538 ...، 582 ...، 622 ...)، تحت عنوان "ما وقع لي في حادثة سنة 1860 "مغامرات راهب شاب مخلّصي اسمه مبارك تاه عدّة أيام في ضواحي دمشق هارباً من ملاحقيه ومتصدّياً لهم وقد عُرض عليه انتحال الإسلام ليسلم فقال لهم: "إنّ اعتناقي الإسلام لا يزيدكم ولا ينقصنا وأنا متمسّك بديني". وأخيراً التقى بجندي كردي ممتطياً فرساً فاستجار به وقد أنقذه الجندي من ملاحقيه ووجّهه إلى دار عبد القادر الجزائري وقال: "إنّ جماعتك مختبئون هنا عند أمير المغاربة وهو الأمير عبد القادر الجزائري الذي له كلّ الفضل بعد الله في سلامة العدد الوافر من المسيحيّين مما يخلّد له الذكر الجميل على صفحات القلوب". ويقول الراهب الشاب"أقمت سبعة أيام في القلعة وبعد ذلك أتى فؤاد باشا (وزير الخارجية) لقمع الثوّار. زار من في القلعة ولمّا صعد إلى مجتمع الإكليروس خاطبهم بلهجة المتأثّر قائلاً: "إنّ هذه المصيبة قد أصابني منها السهم الأحد. أمّا أنتم فالأمان لكم وكلّ ما تحتاجونه أقدّمه لكم ... وبقيت بعد ذلك في القلعة 25 يوماً كان يجري علينا في خلالها رزق من قبل الوزير لكل واحد تسعة أرغفة وسبع بارة كلّ يوم ... ثمّ إنّ القوم طلبوا إلى الوزير أن يرجع كلّ منهم إلى منزله ويتعهّد أشغاله. وإنّ كثيرين من المنكوبين استماحوا الذهاب إلى بيروت وطلبوا مراكب وحماية من الجيش وكان الموكب المسافر جمهوراً غفيراً لا يقلّ عن ثلاثة آلاف نسمة (11).   
في 26 تموز وصل نبأ مذابح دمشق إلى باريس فأمرت الحكومة بإرسال 7000 جندي إلى بيروت. وصلوا في 16 آب ومعهم بعثة إنسانيّة بقيادة الأب لافيجوري (الذي سيؤسّس جمعية الآباء البيض وإكليريكيّة القديسة حنة) لإغاثة المنكوبين والاهتمام باليتامى.
وأرسلت الحكومة وزير خارجيتها فؤاد باشا ليتدارك الأمر وأنزل العقاب بمائة وأحد عشر ضابطاً وجنديّاً عثمانيّاً بتهمة الاشتراك بالمذابح والإهمال بتأدية الواجب كما أنزل بالمئات من الدمشقيّين أحكاماً تتراوح بين الإعدام والسجن والنفي.
إنّ حالة المسيحيّين كانت في غاية التعاسة فالأوبئة الفتّاكة والمجاعة الغاشمة قضت على العديد منهم. كثيرات من النساء والفتيات سُبين أو بيع أولادهن كالعبيد لكنّ الجنود الفرنسيّين أبدوا روحاً نظامية وإنسانيّة مثلى وأشركوا المنكوبين في زادهم ورمّموا لهم بيوتهم وأخذت حكومتهم على عاتقها تربية يتاماهم.         
وبينما أعيد النظر في النظام السياسي في لبنان لصيانة أمن المسيحيّين، ظلّ الوضع على حاله في المناطق الخاضعة مباشرة للسلطة العثمانية، وإذ تأخّرت التعويضات المقرّرة للمتضرّرين وتداركاً للأخطار التي كانت لا تزال تهدّد المنكوبين وجّه رؤساء الطوائف المسيحيّة في دمشق في 20 تشرين الثاني 1860 معروضاً إلى مندوبي الدول الأوربيّة لأجل أخذ التدابير الحاسمة: "نتشرف بأن نعرض أنّ النكبات التي نزلت بنا من جرّاء ذبح رجالنا وبعض نسائنا، وسفك الدماء بصورة فظيعة، لم يسبق لها مثيل في الأعصر الماضية، وإكراهنا على جحد ديننا، وهتك حرمة نسائنا، ونهب أموالنا، وحرق كنائسنا وأديارنا وبيوتنا، وقد عرفها الجميع ... لمّا كنّا أمسينا في حالة شؤم، ولم نزل محرومين راحتنا... وكان صراخ الأرامل والأيتام والايامى، ودم المذبوحين قد ملأ الأرض،
نرجوكم أن ترأفوا بعبيدكم بإنالتنا راحة تامة:
1- نطالب بدم أخواننا الذين ذبحوا بدون ذنب.
2- معاقبة الذين هتكوا حرمة نسائنا.
3- اعاضتنا جميع خسائرنا.               
4- إعادة بناء كنائسنا وأديارنا.
5- ترميم بيوتنا.
6- ضمان راحتنا الآن وفي المستقبل، لأننا لا نأمن على أنفسنا وأموالنا ونسائنا وديانتنا وكنائسنا إلخ إذا لم يبق في البلاد قوّة مستمرة لحمايتنا. أرحمونا أرحمونا أرحمونا نستحلفكم بالله..."
التواقيع: رؤساء جميع الطوائف المسيحيّة الشرقيّون والغربيّون في دمشق (12).   
 
بعد دخول الجيش الفرنسي لبنان في 16 آب 1860 كتب قنصل فرنسا لبطريرك الروم الكاثوليك اكليمنضوس بحوث الذي كان إذ ذاك في مصر يطلب منه العودة إلى لبنان: "للإسهام في إعادة السلام". لبّى غبطته الدعوة فقدم إلى بيروت، حيث ابتاع لسكناه داراً في المصيطبة مع الأرض القائمة وسطها، التي هي الآن مركز المدرسة البطريركية الشهيرة في بيروت.  
تجاه المعونة التي أدّتها فرنسة بجيشها الباسل وتدخّلها الفعّال، خصوصاً بتبرّعاتها السخيّة على المنكوبين المسيحيّين، رأى بطريرك الروم الكاثوليك إكليمنضس بحّوث وأساقفته أن يعبّروا عن عُرفانهم الجميل، بكتاب مؤرّخ في 15 تشرين الثاني 1860، بعثوا به إلى رئيس أساقفة باريس ومطارنة فرنسا، جاء فيه:
"إلى أخوتنا الأجلاء الكرادلة ورؤساء الأساقفة والأساقفة وجميع إكليروس وشعب فرنسا الجديرين بسامي الاحترام.
"... إن جلالة الإمبراطور نابوليون الثالث والإكليروس والشعب، قد بذلوا غيرة نادرة المثال ... إن ابن الكنيسة البكر ... أرسل بوارجه وجنوده المنصورة، فأنقذوا من نجا من مجازر لبنان ودمشق .... إنّ الغيرة والمروءة الراعويتين اللتين أبديتموهما أيها الأخوة الأجلاء، في دعوة الشعب الفرنسي المشهور بتديّنه وسخائه ... وقد حفظتا حيّاً ألوف المنكوبين الذين لم ينجوا من السيف، إلاّ ليقعوا في مخالب الجوع والعري ... فراشهم الأرض، وغطاؤهم السماء، فمات كثير منهم ... فكم من الرجال والنساء والأطفال لبسوا من إحسانكم، وسدّوا رمقهم، وكم من الأرامل واليتامى، كفل حاضرهم ومستقبلهم، بعطاء هذا الشعب الكريم، ولمّا جاء الأب لافيجري رسول إحسانكم ... وزّع بالفطنة الإحسانات التي عهدتم بها ... وبناء عليه جئنا نفي دينا مقدسا ونعرب ... عن مزيد امتناننا. إننا نتّحد مع جميع اليتامى والأرامل والتعساء، لرفع الابتهالات من صميم أفئدتهم لله ليحرس صاحبي الجلالة الإمبراطور والإمبراطورة، وسموّ ولي العهد، وأن يمطر بركاته السماوية والأرضية على جميع الشعب والإكليروس الفرنسي ... ليحي الإمبراطور ... وليحي الإكليروس وليحي الشعب الفرنسي ... "
تواقيع البطريرك، ومطران صور أثناسيوس خوام، ومطران حوران اغناطيوس، وملاتيوس فندي مطران بعلبك، وباسيليوس شاهيات مطران زحلة، وغريغوريوس يوسف مطران عكا (13).
    
"في هذا التاريخ نفسه اجتمع بطاركة وأساقفة الطوائف الكاثوليكية ودبّجوا كتاباً مشتركاً بالمعنى نفسه إلى قداسة البابا: 
"أيها الأب الأقدس،
"إنّ البطاركة والأساقفة الموقعين ... يتجرّأون على وصف النكبات التي انقضّت عليهم وعلى الشعب ... ومنبئيكم بالمساعدات التي تلقّوها لتخفيف ويلات الشقاء. إنّ قداستكم تنازلتم فسبقتم الجميع إلى إرسال حسنة مقدّسة رغماً عن الحالة الضيّقة التي صرتم إليها ... فاقتدت جميع الأمم الكاثوليكيّة بهذا المثال السامي، وكانت فرنسا في مقدّمتها، ولذلك تستحق امتناننا الدائم ... فلولا حماية جنودها، لما بقي مسيحي واحد في أنحاء سوريا. إنها لم تقتصر على حمايتنا من اعتداءات المسلمين والدروز، بل أنقذتنا من مخالب الجوع والبرد والعري ... وافتتحت جمعيّة مدارس الشرق المحسنة اكتتابا، أسفر عن جمع مليوني فرنك.
قد أنفقت مبالغ وافرة، على إكساء فقرائنا وإطعامهم، وإعادة بناء بيوتهم، وإيواء اليتامى، وإرسال الحلل والآنية إلى كنائسنا المنهوبة... وقد أتمّ جميع هذه الأعمال الأب لافيجري ... وخاطر بحياته غير مرّة ... وزّع بيده أكثر من مليون فرنك ... فشدّ ما يكون اغتباطنا لو تنازلتم قداستكم إلى إيفاء قسم من ديننا (إلى المحسنين إلى أبنائنا المعوزين) فلديكم كنز الغفارين والمواهب الروحيّة ... فنلتمس منكم أن تفتحوه في وجه كاثوليك فرنسا ...
التواقيع: بولس مسعد بطريرك الموارنة وخمسة مطارنة. اكليمنضوس بحوث بطريرك الروم الكاثوليك وخمسة مطارنة. غريغوريوس بطريرك الأرمن الكاثوليك وثلاثة مطارنة. يعقوب مطران السريان بدمشق ومتى مطران حمص وحماه" (14).  
وقد نشر مؤخّراً في بيروت المحاضر الكاملة للجنة بيروت الدولية التي عالجت أحداث لبنان ودمشق عام 1860. (15)..
 
تحسّن الأوضاع
عقب أحداث عام 1850 و1860 نزح عدد كبير من المسيحيّين عن حلب ودمشق بسبب تخوّفهم. وشيئاً فشيئاً هدأت الأحوال، وبدأت الذهنيّات تتطوّر مع انتشار العلم والثقافة. واطمأنّ المسيحيّون على أوضاعهم ونشطوا مجدّداً وأصبح لهم دور في الأجهزة الحكوميّة والبلديّات وبدأت المقرّرات الإصلاحية (خطّي شريف غولخانة، والخطّ الهمايوني) تتنفّذ على أرض الواقع. وتوّجت الإصلاحات بإعلان الدستور عام 1876 الذي أقرّ بقيام مجلس برلماني إلى جانب السلطة التنفيذية. ويعود الفضل بهذا الإصلاح للصدر الأعظم مدحت باشا.
 
المجازر في آخر العهد العثماني
إثر مؤتمر برلين عام 1878 الذي قرّر استقلال العديد من دول البلقان التي كانت خاضعة للحكم العثماني، تشدّد السلطان عبد الحميد وألغى الدستور ومارس حكماً قمعياً بوليسيّاً. وكان أحد بنود مؤتمر برلين وعد الأرمن بالحكم الذاتي ضمن إطار الدولة العثمانية فأخذوا يطالبون بحقوقهم وأنشأوا أحزاباً وجمعيات للوصول لأهدافهم. ولم يرق ذلك للسلطان عبد الحميد إذ أن الأرمن كانوا موزعين في المناطق التركية ولم يكن وضعهم مثل الصرب واليونان والبلغار والرومان. فدبّر مجازر عام 1895-1896 ثمّ كانت مجزرة عام 1909 في منطقة أدنا. وأثناء الحرب العالمية الأولى قام الحكام من أنصار تركيا الفتاة بحرب إبادة عامة قتل فيها أكثر من مليون أرمني وتشرد الباقون.   
هذه المجازر لم تتناول فقط الأرمن وانعكست على مسيحيّي منطقة طور عبدين (ديار بكر وماردين) واورفا من سريان وكلدان وأشّوريين (16).  
تعرّضوا للنهب والإهانات والتعذيب والتقتيل وسيقوا ضمن قوافل عراة وجائعين واستقبلهم العرب بالترحاب إلى أن تمّ اندماجهم في محيطهم الجديد، أو هجرتهم إلى الخارج (16). تقشعرّ الأبدان عندما نقرأ ما قاساه هؤلاء من عذابات وإهانات في كتاب اسحق أرملة "القصارى في تاريخ النصارى" أو في "تاريخ من أهمله التاريخ" للأب سهيل قاشا وفي مصادر أخرى. كانوا يخيّرون بين إشهار إسلامهم أو الموت. وإن كان بعضهم انتحل الإسلام للحفاظ على حياتهم فالأغلبية فضلت الموت على إنكار دينهم.
 
 
1)    قسطنطين بازيلي، سوريّة وفلسطين تحت الحكم العثماني، ص139
2)    المرجع المذكور ص 204
3)    مذكرات الدكتور استرجيان (1885-1980) طرابلس 2004 ص 46 والدكتور استرجيان كان موظفاً في دائرة الصحة في الموصل أثناء الحرب العالمية الأولى
4)    ديب جزء 2 ص 468 نقلاً عن له نورمان ص 7-4 راجع أثناسيوس حاج، الرهبة الباسيلية الشويرية في تاريخ الكنيسة والبلاد ج2 ص 170-171
5)    أخبار حلب كما كتبها نعوم البخاش جزء 3 ص 32
6)    الشيخ كامل الغزي "نهر الذهب في تاريخ حلب" مجلد3 ص287
7)    أهم حوادث حلب، نشرها عبد الله قرأي ص 89
8)    المرجع المذكور ص 91
9)    توتل، وثائق تاريخية عن حلب، أخبار الموارنة 2 ص 70
10)                       شهادة سيريل جراهام الإنكليزي وردت في أثناسيوس حاج، الرهبنة الباسيلية الشويرية ج2 ص 173
11)                       المسرّة 1913 ص 623
12)                       1 أثناسيوس حاج الكتاب المذكور ص 182
13)                       أثناسيوس حاج الكتاب المذكور ص 182
14)                       1 الكتاب المذكور ص 200-201
15)                       2 حوادث 1860 في لبنان ودمشق، لجة بيروت الدولية ، المحاضر الكاملة، تحقيق وترجمة الأب الدكتور انطوان ضو جزءان، بيروت عام 1996
16)                       1 إن أحداث عامي 1895-1896 أوشكت أن تمتد إلى حلب ودبّ الرعب في قلوب المسيحيين. إلاّ أنّ حزم السلطات المحليّة أوقف المتحمسين للانقضاض على المسيحيين. راجع اغناطيوس ديك، الحضور المسيحي في حلب، الجزء 3 مجلد2 ص 29-32 
17)                       2 الكتاب المذكور ص 37-38
18)                       مذكّرات الدكتور استرجيان ص 76-77 روي لي أنه كان لأحد المسيحيين جار مسلم ونشأت بينهما صداقة حميمة ويعيشان كأخوة وذات يوم قال المسلم لجاره المسيحي: يا جار، بلغنا أنه تقرر الهجوم على المسيحيين وذبحهم، فأنا أولى بذلك لأنك صديقي، دعني أكسب أجرك..  
مقابل هؤلاء السذّج هناك فئات من المتعقّلين دافعوا عن المسيحيين أمثال الأمير عبد القادر الجزائري، وهناك شرائح من المسلمين في ماردين تصدوا للأكراد المهاجمين على المسيحيين عام 1895 فعيّرهم مسلمو ديار بكر. وحرّضوهم على الامتثال بهم، فانقلبوا على المسيحيين: إنّ المسلمين بديار بكر يقولون إنّ إسلام ماردين هم مسيحيون لا مسلمون فلسنا نقبل إذن هذا العار علينا...
(راجع مذكرات الدكتور استرجيان، ملحق ، نظرة في مذابح عام 1895 ص200)
عناوين أخرى
حلب.. مدينة التاريخ العريقمكافحة الجوع.. معركة كل فنّان أيضاً
جرجي جبرائيل بيطار مُبتكِر فنّ الموزاييك وخادِم الفقراء 1840 – 1935الشعر ضمير الأمة الأرمنية
أنا زهرة من يأس الأنبياءالمزاج الحضاري في نتاج ابن العبري.. "الأحاديث المطربة نموذجاً"
الأب العلامة ميشيل الحايك في ذمّة اللهالوقت.. عطيّة من الله
حوار بين الحُلم والحالِمعادات حلب وتقاليدها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر
عيد الفِصْح عند الحلبيّينآدم وحوّاء..
دير مار موسىنشأة المسيحية وتطورها.. جولة في تاريخ الكنيسة
حنيندور النصارى في الحضارة الإسلاميّة
الفكر السريانيّ وأثره في الفكر العربيّ الإسلاميّنزيف هجرة المسيحيين العرب
أرقام مخيفة عن هجرة المسيحيين من الشرقهل تُرجم الإنجيل إلى العربية قبل الإسلام؟
المسيحية في حلب في العهدين الروماني والبيزنطيمشغول..
الدهشة منطلق الفلسفةمارتن لوثر كينغ
الفلسفةمميّز..
البرمجة اللغويّة العصبيّة NLPمرض الصرع بين الأمس واليوم
في التفلسفما الفلسفة؟
القبائل العربية المسيحيّة في بلاد الشام في عهد صدر الإسلامكلام في الحوار: روحه وأدبه وفنّه..
حنين بن إسحاق (809 - 876 م).. الطبيب المسيحي الذي يتجاوز محنه..القديس مارون الناسك في التاريخ
حدود المعرفةالواقع العربي المسيحي المعاصر... في حوار مع الأب بيير مصري
العلمانية ليست إلحاداً«مسيحيون ومسلمون: اخوة أمام الله»: شهادة عن الحوار الاسلامي - المسيحي
يوسف قَرْش وتشرشلزلزال في حلب.. مخطوطة كُتِبَت في 23 آب 1822
فلسفة الشكالشخصانية في الفكر العربي المعاصر..
المساهمة المسيحية في فكر النهضة العربية ... فرنسيس المراش نموذجاً (1835- 1874)2007 سنة الثقافة الأرمنية في باريس.. معارض تشكيلية وحفلات موسيقية وندوات...
الفيلسوف الألمانيّ عمّانوئيل كانت والسيّد المسيح يلتقيانالبتراء، الكولوسيوم، تمثال يسوع المخلّص.. ثلاثة معالم من تراث المسيحيّة في عجائب الدنيا السبع
أبو القاسم الزهراويّالعودة الى الدين، تخيّل أو انتماء؟
حوار الثقافات.. بين متاريس الهوية وسياسة المداولةمشكلة الحرية الميتافيزيقية للفيلسوف الروسي برديائيف
التسامح الدينيفـيـروز.. سفيرتـنا إلى الإنسانيَّة
ثاوذورس أبو قره أسقف حران الملكي جسر بين الحضارات والأديان في بلاد الشام والرافدين، في العصر العباسيتنشئة الأجيال ووسائل الإعلام.. دور الصحافة المسيحية المكتوبة
الدين والتساؤل عن الهدف من الحياةتجسُّد المسيحيين في محيطهم المشرقي
المسيحيّون في صدر المسيحيَّةكوجيتو ديكارت: "أفكر إذن أنا موجود"..
قديس في عهد هارون الرشيدقراءة في أغنية "كلمات"
معلولا... حيث يستعيد الزوّار لغة المسيحالحرية والمسؤولية
التحسين المستمر للذاتإشكالية تحديد السعادة
هل يولد الإنسان من الماضي فقط؟سلطّة المقدّس
محتقرو الجسدبراد قرب حلب بلدة مار مارون
الحضور المسيحي في حلب العهد العثماني الأولالحرّيّة في فكر جبران خليل جبران
يوسف قوشاقجي.. عاشق من "فسط" حلبجدل اللوغوس والحقيقة في الفلسفة العربية
العوامل المؤدية إلى الإدمانالفن والواقع
عظة الغرابالفلسفة!.. لِمَ؟
طاغور والمثالية الإنسانيةأمثولة الكهف
تنظيم الأسرة من وجهة نظر مسيحيّةالطوائف المسيحيّة بحلب في العصر العثماني بين الذمّة والملّة
ما هي الفلسفة؟الإنسان بين الدين والمجتمع
الذاكرة واختلالاتها عند الفيلسوف درطاد مراديانهل الفلسفة بنت الواقع
الطوائف المسيحيّة في حلب: 1- الروم الكاثوليكدور العقل في بناء العلم
الطوائف المسيحيّة في حلب: الأرمن الكاثوليكأدوار الفلسفة
أزمة العلمالطوائف المسيحيّة في حلب: 3- الروم الأرثوذكس
مشاكل فلسفيةأنا اسمي شولغي.. هل تعرفني؟
حرية الإختيارمشكلة الوجود
الطوائف المسيحيّة في حلب: السريان الأرثوذكسقراءة في مشكلة الموت
مدارس حلب المسيحيّة في العصر الحديثمجّانيّة العطاء
المشكلة الأخلاقيةالصحافيّون المسيحيّون الحلبيّون في العصر الحديث
ضرورة الشكأصل الواجب
ميشيل بتشيريلّو راعي الفسيفساء في الشرق الأدنىقراءة في مشكلة الجمال
القديس يوحنّا الدمشقيّالطوائف المسيحيّة في حلب: الموارنة
المعاني الأخلاقية في «مِرآة النفوس» للأديب قسطاكي الحمصيمشكلة سوء الفهم والتفاهم
الحـبّمهمة الفلسفة
معنى الحياةمسيحيّو حلب والنهضة القوميّة العربيّة
الانتشار المسيحي في حلب في أواخر العهد العثماني والتطوّرات في القرن المنصرممجال الفلسفة
اللغة ميزة الإنسانما بعد النفعية
كنيسة مار الياس القديمة المارونيّة بحلبالاغتراب والتموضع
مسيحيّو سوريّة في العهد العثماني ونظام الذمّةطَائر الفينكس.. أسطُورَة الحَيَاة المثلَى
رؤية الماضي.. موضع الإنسان في الكون في منظور تلار دُهْ شاردان (الراهب اليسوعي العلاّمة)التأثير الأوربي على المسيحية في سوريّة خلال الحكم العثماني
كيف تكتب سيرة ذاتيّة (CV) بشكل جيّدالكنيسة في العالم العربي
مفهوم الألم في البوذيّةالعطاء والفرح والحزن والمتعة
التقرير السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية «أفد» البنى التحتية العربية يهددها خطر تغير المناخبروتوكول الشعوب حول المناخ
دير سانت كاترين في سيناء ملتقى الاديان السماويةالمسيحيّون في أثناء حكم إبراهيم باشا وانعكاساته
الفنّان الدكتور ناهد كوسا أول عربي يدخل موسوعة "غينيس"المكتبة الروحية في حلب.. تنمية فكرية وثقافية وروحية
الفتوحات الإسلاميّة لبلاد الشام وموقف أهل البلاد منهاالزَرَدشـتيّة
فسيفساء طيبة الإمام: تاريخ الخلاص الفصحيأحياء حلب المسيحيّة في العهد العثماني الأول
أحياء حلب المسيحيّة في العهد العثماني الأولفي اليوم العالمي للهواء النظيف أنت تتنفس... إذا أنت موجود
النموّ الديموغرافي لمسيحيي حلب في العصر العثمانيالحقّ والقوّة
اللغة الآرامية... نشأتها ومراحل تطورهاالتعايش المسيحي الإسلامي بحلب في العصر العثماني
نقل الأعضاء.. واقع خطرمسيحيو سوريّة في أثناء الانتداب الفرنسي: من الاحتلال إلى الاستقلال
الفلسفة والممارسةلماذا أكتب؟
ما الذي يدفعنا للدفاع عن الطبيعة؟"تحاوروا وتفاهموا": انه اليوم العالمي للشباب..
شعراء حمص في المهجر: نسيب عريضة
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى