وُلِدَ أثناء اضطهاد الامبراطور داكيوس قيصر، والده كنداكيوس أحد أعيان حمص من أصلٍ رومانيّ شريف، كان صلفٌ متعجرِّف، غليظ الشعور، جامد العاطفة، قليل المبالاة بالآخرين. والدته أخشسترا فتاة حسنة التربيّة، جميلة المنظر، لطيفة المَعشَر، متمسّكة بالمبادئ الأفلاطونيّة حينها، لم تستطع على الرغم من ما كانت عليه من ملاحة ونباهة أن تُلفت نظر زوجها وتميل قلبه إليها. رُزقا بمولود واحد فقط، سُرَّ به كثيراً كنداكيوس سمّاه "يوليان" لتكون فيه إشارة إلى صلته بالقياصرة. استعانت أخشسترا على تربية طفلها الصغير بوصيفة اسمها مطرونة، اختارتها لما عُرِفَ بها من الوداعة والحلم والعطف، فكانت أيضاً خير رفيقة لسيدتها. كانت مطرونة مسيحيّة وقد قامت بتربية الطفل خير قيام فنشأ ذا خُلقٍ رضيّ، وبنية حسنة، ومعشرٌ لطيف. لمّا بلغَ السابعة من عمره أرسله والده ليتلَّقى العلوم الرائجة في ذلكَ العصر، فأقبلَ عليها بشهيّة ورغبة. وكان يوليان يكنّ لوالدته حبّاً شديداً، ويحترم أباه. تعمدَّت والدته أخشسترا على يد القس والطبيب ايباتيوس الّذي جاء ليداويها على اثر مرضٍ أصابها. وطلبت من مطرونة أن تكون أماً ثانية ليوليان في حال رقدّت وأن تقرِّبه من المسيح. أراد يوليان إكمال تحصيله العلمي بدراسة الطب حبّاً بوالدته التي لا يبارحها المرض لمساعدتها في تخفيف آلامها، ولكنّها لم تعِش طويلاً فحزنَ عليها ولدها حزناً شديداً وكان أكثر ما يعزّيه وجود مطرونة بقربه والشيخ ايباتيوس الّذي بدأ يتتلمذ على يديه . تعرّف يوليان على سلوانُس أسقف حمص الصالح بواسطة الشيخ ايباتيوس، وقد رأى في أحاديثه الممتعة وفي أدلّته السديدة المقنعة ما جعله يتأكّد أنّ المسيحيّة هي الدين القويم الجدير بالإتباع، وأسرَ إلى الأسقف سلوانُس رغبته في تقبّل سرّ المعموديّة وكان قد أظهرَ أهليته لنيل هذا السرّ، فعمّده الأب ايباتيوس، ودُعيَ يوليان في المعموديّة "إيليان" ومؤدّاه في اللغة الآراميّة "واجب الوجود الإلهي". إنّ تنصير إيليان لم يكن بالأمر السهل، وقد تمَّ سرَّاً عن أبيه. غير أنّ الله الّذي اختاره شاهداً وشهيداً قد هيأ الأسباب لتنصيره، وأتمّها بمطرونة وايباتيوس وسلوانُس. ومنذئذٍ بدأ جهاد القدّيس بصورةٍ جديّة.
كان ايليان رجل الإيمان القويم والعبادة الحسنة، متصدّقاً رؤوفاً رحيماً للمساكين، كان يوزِّع على الفقراء ما تصل إليه يده من عطايا والده، ويعالج المرضى بالمجان ويشفيهم باسم يسوع علانيةً. وكان الله قد أعطاه قوّة على شفاء جميع الأمراض وطرد الأرواح النجسة، وذاع صيته في حمص وسواها حتى أخذَ الناس يأتون إليه من أمكنة بعيدة.
هذه الضجّة التي أثارها إيليان بلغت أسماع الأطباء وأثارت حفيظتهم. وإذ امتلأوا حَسداً، قام بعضهم إلى أبيه واشين مُنذرين بأنَّ ابنه يَكرز ويداوي باسم إله المسيحيين ويَهزأ بالآلهة. ساءَ الوالد ما قيلَ له عن ابنه وكان لا بدَّ أن يقوم بعملٍ ما يثبت من خلاله ولاءه للملك الوثني وغيرته على الآلهة. وكانت ردة فعله الغضب ليس على ابنه بل على الّذين يمكن أن يكونوا قد أفسدوا عقله، لذلك اتجَّه ذهنه نحو الأسقف سلوانُس الّذي استطلعَ خبره فعرفَ أنّه يكرز بالمسيح علانية في المدينة هو واثنان من تلاميذه، فقُبِضَ عليهم وزُجّوا في السجن وتعرَّضوا للرجم والضرب والتجريح وذاقوا مُرَّ العذاب. وبلغَ ايليان خبرهم فأسرعَ إليهم لمواساتهم وتضميد جراحهم فقبضَ عليه العسكر وأخذوه إلى أبيهِ وأخبروه بما فعلَ. خشي والده على نفسه وسمعته وأمرَ بسوق ابنه إلى الوالي وزوَّد الجند برسالةٍ إليه قالَ فيها: وجَّهتُ إليكَ ابني ووحيدي، وقد لحقَ بالمسيح المصلوب ورفضَ أمر الملك. وقد أطلتُ روحي عليه ليرتدَّ فعاندَ وكفرَ، فاحكم عليه بما يستوجب. فلَّما قرأ الوالي الرسالة ردَّ إيليان إلى أبيه مع هذه الرسالة: ابنكَ عزيز عندي، وليسَ لي سُلطان عليه البتّة، وأنتَ بصفتكَ أباً أولىَ به منّي. فاحكم أنتَ عليه بما تشتهي. وقد وجَّهتُ لكَ صحبته سلوان الأسقف وتلميذيه، فاظهر فيهم حدّ الشريعة لتنال من الآلهة الجزاء والسلام. أمرَ الوالد أن يُسجن ابنه ويُلقى بالآخرين إلى السباع. وسعىَ الوالد بشتى الوسائل إلى إقناع ولده بالعدول عن موقفه وارتداده إلى الوثنية فلم يفلَح. أخيراً عيلَ صبره فأتى بحدّاد أعدَّ له مسامير جرى غرزها في رأس إيليان على شكلِ تاجٍ واحداً فواحداً. ثمّ أطلَقَ الجندُ سراحه ليموتَ موتاً بطيئاً عبرةً لمَن اعتبر، فخرج إيليان بالجهدِ إلى مغارة شرقي المدينة يُصنع فيها الفخّار. هناكَ صلّى وأسلمَ الروح. وكان الفخاريّ مسيحيّاً فأخذ الجثة ودفنَها في كنيسة تُعزى إلى القدّيسين يوحنا وبطرس حيث تراءى له في الحلم إيليان وهو يطلبُ منه ذلكَ.
القدّيس الشهيد إيليان هو شفيع حمص إلى هذا اليوم. تُعيِّد له الكنيسة في السادس من شهر شباط.
فيا أيّها القدّيس اللابس الجهاد والطبيب الشافي إيليان توسَّل إلى الإله الرحيم مُتشَّفعاً في خلاص نفوسنا.
صلاة القدّيس إيليان قبلَ استشهاده
أيّها الربَ إلهي، مصدرَ العطفِ والرأفة. يا مَن أرسلتَ ابنكَ الوحيد فادياً ومُنقذاً للعالم من عبء العذاب الأبديّ ومع فتحكَ أحضان محبَّتكَ لقبول كلّ مَن يأتي إليكَ، سمحتَ أن يكون طريق الخلود مملوءاً بالأشواك، لتظهر فضيلةَ المجاهدين حَسَناً ويتعلَّموا الرجولة الصحيحة. أرجو أن تعطفَ على هذا الوليد الّذي لم تمنعه حداثة سنّه من التشَّبث بكلّ قوَّته في الرجاء بكَ. فلا تسمح يا مُعين الرحمة أن يجدَ الخوف إلى قلبي سبيلاً...
قد سُرِرتَ يا إلهي أن يكون لكَ قطيع في هذا البلد الطيّب. ولكنَّكَ سمحتَ لحكمةٍ نجهلها، أن تخترقَ الذئاب سياجه وتفتكَ بالراعي نفسه. فاعطف بناظركَ الرحيم على القطيع المُشتَّت، واجمَع فلوله تحتَ كَنَفِكَ، فلا يمتهنه كلّ عابر طريق.
أفِض اللَّهم على أهالي هذا البلد الجميل أنوار معرفتكَ ليستضيئوا بهُداك وأرِهم شيئاً من جمالكَ السامي وصفاتكَ الحُسنى، ليشغلوا بها عمّا سواك.
إنَّ قلوب العباد بيديكَ كجداول مياه. فحوِّل ميولهم إلى الخيرِ وأبعدهم عن الشرّ وأسند بيمينكَ القادرة ضعفَ هذا التائق إليكَ ليرتَعَ كيفما شئتَ في بحبوحةِ رضاك آمين.