خلال زيارتي لأحد المعارض التشكيلية الجماعية، لاحظت أنّ مرافقي، وهو متذوّقٌ للفن التشكيلي، يجول بين اللوحات بخطى سريعة حيناً وبطيئة حيناً آخر. سألته: ما بك؟ وأجاب: أتوقّف عندما أرى اللوحة التي لا تذكّرني برسمٍ رأيته من قبل، أو التي تثيرني من حيث الألوان أو التكوين أو الفكرة. أما التي تذكّرني بعملٍ سبق وشاهدت مثلها، ولا تحمل مضامين جديدة، فلا اكترث لها".
وجدت في رأيه الكثير من المنطق. ولكن ثمّة فنّانين كثُر استطاعوا أن يتأثّروا بفنّ من سبقهم وأسبغوا عليه أسلوبهم. ولعلّ أبرزهم، على سبيل المثال لا الحصر، بيكاسو عندما استعار من الفن الفطري الأفريقي الأقنعة في تصويره، وماتيس الذي استعار من منمنمات الفن المغربي روح الشرق في لوحاته. واليوم عندما نرى الأقنعة الأفريقية نستذكر بيكاسو. وكذلك نستذكر ماتيس عندما نرى الموتيفات الشرقية.
أسوق هذا البعد الخاص في التأمل لأذكّر بعمق تجربة الفنان المصري حلمي التوني، الذي استطاع أن يلتقط رموز الفن الشعبي الموروثة من التراكم التاريخي الممتدّ من العصر الفرعوني إلى الهيلينستي، إلى الروماني، إلى القبطي لغاية الفن الإسلامي. ومن ثم أعاد بعد ذلك صياغة تلك المكوّنات الفنية بلغةٍ تشكيلية لم تألفها العين من قبل. فقد حرّرها من السكون إلى الديمومة، ومن التكرار إلى الابتكار، ومن الرمزيّة الصرفة إلى البوح الخفي. كما أوجد في لوحاته روحاً مصريّة خالصة لا تحمل أية مضامين سياحية، ومكتنِزة بالمواضيع ذات المسحة الشعبية السريالية الغرائبية- لا الخيالية الحالمة- تلك التي تنتمي للواقعية السحريّة.
فعندما استلهم التوني- بحذرٍ ووعي- الرموز الشعبية، مثل العصفور والسمكة والزهرة والديك وغيرها من المفردات في أول معرضٍ له عام 1987، كان ذلك بمثابة خطوةٍ "لإحياءٍ" جديد للميراث الحضاري الفني في مصر. فقد اختار ما يناسبه من الموروث، ثم أعاد توظيفه بعد معالجته لكلّ رمز- حسب رؤيته الفنية الخاصة- في سياق التكوين البنائي للرسم، لكي يتمّ منح المتلقّي دلالات رمزية فنيّة متجدّدة ومبتكرة ومختلفة ومعاصرة في آن.
عند التوني السمكة لم تعُد رمزاً للخصوبة، بل للمرأة. والطير لم يعُد رمزاً للذكاء بل للحريّة. كما أوجد رموزه الخاصة التي تتنوّع فيها الدلالات: مثل طير الهدهد والنخلة والهرم والشفاه والبيضة والغيمة والنفير.
الرسم عند التوني مزيجٌ بين التلقائية والتخطيط، ومواضيعه قائمة على توليف الواقع مع الخيال. أما ألوانه فيختار لكلّ لوحةٍ لونها الخاص في ظلّ مناخٍ ذهنيّ ومزاجٍ زمني مختلف. ويشكّل الضوء والظل عنصران أساسيان في جميع أعماله، ومدخلاً لقراءة لوحاته: فالضوء مصدره تارةً من الداخل- من النافذة المرسومة على سبيل المثال-، وتارةً يسقطه من الخارج إلى الداخل.
لوحة التوني ذات مزاجٍ مصريّ خالص، كما هي الحال عند الفنانين محمود سعيد وراغب عياد وتحية حليم وعبد الهادي الجزار. هذه اللغة التشكيلية التي اكتشفها هؤلاء الروّاد وعالجوها، كلّ حسب أسلوبه، كما في الأغنية المصرية عندما تطرَب لألحان السيد درويش أو غناء محمد عبد المطلب، أو عندما نقرأ روايات نجيب محفوظ. ندرك أنّهم جميعا أولاد حارةٍ واحدة.. الحارة المصرية التي لا تشبه إلا نفسها.
نقلاً عن "لموند ديبلوماتيك"