الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> لاهوتيّة

الإيمان والعاطفة..

  بقلم: روبير شعيب


انقر هنا للتكبير
 
الانفتاح على الحب
إن الموضوع الذي تطرقنا إليه في القسم السابق(راجعه)، موضوع الإيمان والثقة يفتح الباب على موضوع العاطفة في الإيمان. للأسف، غالبًا ما تم تجاهل هذا البعد في علم اللاهوت باعتبار خطأً بعدًا طفوليًا وتعبيرًا عن عدم النضج في الإيمان. وتم اعتبار الإيمان الناضج كإيمان الفكر القاسي والجاف. وقد ترك اللاهوتيون البعد العاطفي لدراسات وتحاليل العلوم الإنسانية الأخرى مثل الأنتروبولوجيا، علم النفس وعلم الاجتماع.
ولكن تجاهل هذا البعد يترك التحليل اللاهوتي منقوصًا لأنه يتجاهل بعدًا أساسيًا في الكائن البشري، بعدًا لا يمكن تجاهله دون دفع الثمن نظريًا وعمليًا. فكم من الأشخاص يشعرون بأن أحاديثنا الدينية مملة، نظرية وغير مهمة، بينما يصغون بحماسة واهتمام لمداخلات علماء النفس على الراديو والتلفزيون؟
لا يمكن فصل العاطفة عن الإيمان، تمامًا كما لا يمكن فصل العقل، أو فصل الحياة، أو فصل الأخلاق. الإيمان واقع يخص كل الإنسان ولا بد أن ننتبه إلى كل الإنسان في نقل البشرى السارة! الانتباه إلى الإنسان يعني الانتباه إلى حالته العاطفية، إلى خبراته الحاضرة والماضية. وهذا الأمر بشكل خاص في الإيمان المسيحي، انطلاقًا من معطيين: الأول هو البعد الموضوعي، بعد الوحي المسيحي. والثاني هو البعد الشخصي، بُعد المؤمن الفاعل.
علاوة على ذلك، إذا ما نظرنا إلى إله الكتاب المقدس، وإلى المقاربة الكتابية للإنسان، نرى أن الوحي الإلهي لا يستحيي ولا ينكر هذا البعد العاطفي في الله وفي الإنسان. اللاهوت الكتابي يتجرأ أن يصف الألوهة بـ "الغيرة"، "الحب"، "الرحمة"، "التأثر"... ولا بد لعلم اللاهوت أن يتعلم من جديد كيف ينقل هذه اللغة الكتابية في لغاتنا الحالية وبشكل نفهمها اليوم لاهوتيًا وحياتيًا. يجب على اللاهوت وعلى اللغة المسيحية أن تتحرر من صورة الله الأرسطوية التي تصور الله كمحرك لا يتحرك، وكعقل متسامٍ عن المشاعر. فهذا ليس إله الكتاب المقدس، هو فكرة اعتمدها فيلسوف لكي يسيّر نظرته الفلسفية (deus ex machina)، والتمسك بهذه الصورة وكأنها الصورة الأسمى لله يجعل منها صنمًا، كما سبق ورأينا عند آباء الكنيسة في قسم سابق. وقعت بعض البنى اللاهوتية، في محاولتها للحفاظ على تسامي الله، في فخ تحجير الله الحي وزجه في سجن وحشة قاتلة (Cf. J.-N. Bezançon, Dieu n’est pas solitaire. La Trinité dans la vie des chrétiens, Paris 1999, 13).
يجب أن نطهر مفهومنا لله انطلاقًا من عقيدة الثالوث الموحاة، التي لا يمكن للعقل البشري أن يبتكرها أو أن يحصرها (خلافًا لفكرة وحدانية الله التي يمكن للعقل أن يتوصل إليها من دون مساعدة النعمة والوحي).
الله أحد ولكنه ليس وحيدًا مستوحشًا. الله شركة حب، ولا بد لنا أن نعيد اكتشاف غنى عقيدة الثالوث الأقدس، التي تتخطى وحدانية وتسامي جوبيتر، وتفسح المجال لروعة الحياة الثالوثية التي يحوال اللاهوتي الروسي بافل فلورنسكي وصفها فيقول: "هي تأمل الذات في الآخر من خلال الثالث" (P. Florenskij, La colonna e il fondamento della verità, Milano 1974, 63). هذا الوصف يبين لنا أن الثالوث الأقدس هو في آن حياة، آخرية، وخروج من الذات (vie, alterité et exstase). كما وأنه لا بد من تجديد فهمنا للألوهة لكي نستطيع نظريًا أن نوقن إمكانية ومعنى التجسد: الكلمة الذي ينفتح على العدم فيضحي كلمة الخلق التي يتلفظ بها الآب في الروح القدس، خالقًا حريات (بشرية) قادرة أن تشارك في رقصة طوباوية الثالوث الأقدس، التي تنفتح في حميميتها على آخرية مخلوقة.
كيف يمكننا أن نفهم إلهًا كهذا إذا لم نر فيه توقًا؟ بالطبع، هذا التوق يختلف عن توقنا البشري، تمامًا كما يختلف فكر الله عن فكرنا، ولكنه موجود! توق الله هو تفجر حبه الذي نختبره في لحظات نتحرر فيها للحظات بفعل النعمة من عاطفتنا المستهلكة ونقوم بأفعال محبة مجانية لا مشروطة.
إعادة إدخال العاطفة في فهم الإيمان هي أمر مهم أيضًا نظرًا للإنسان الذي يبني علاقته بالله ليس فقط انطلاقًا من العقل، بل أيضًا انطلاقًا من الحياة، الإرادة، الذاكرة، المخيلة والعواطف. ولقد أدرك دور العاطفة بشكل خاص القديس اغناطيوس دي لويولا الذي قدم فعل الروح القدس وفعل الشرير في حياة الإنسان تحت اسمين هما التعزية والاكتئاب. علمًا بأن كبار اللاهوتيين والصوفيين يرون تأثير الروح القدس الأكبر في خبرتنا العاطفية الروحية (. C.A. Bernard, Teologia affettiva, Cinisello Balsamo 1985, 9ss).
كل هذه الأمور تفرض علينا أن ننزل عن عرش لاهوت الرأس، نحو لاهوت القلب والحياة، فندمج اللاهوت العقائدي باللاهوت الرعوي. فاللاهوتي الحقيقي هو خادم يستهلك وجوده في الإصغاء إلى عطش الله (يو 19، 28) وعطش الإنسان (مز 41، 3؛ 62، 2) وأنين الخليقة (روم 8، 22) ويسعى إلى إيجاد آبار تفسح المجال للقاء الختني بين عطش الله وعطش الإنسان (راجع يو 4).
إيمان الثقة وحضور العاطفة هو أمر يشمل مختلف خبراتنا الحياتية. وقد بين ذلك عالم النفس أريك فروم في كتاب "فن الحب" (The art of loving). فأن نؤمن يعني أن نثق بمصداقية وأمانة الآخر. القيام بوثبة الثقة يتم فقط إذا ما شعر الإنسان بزخم نحو القيام بهذه الخطوة، وهنا يدخل البعد العاطفي. فالعاطفة تلعب دور الجاذب نحو الولوج في علاقة الثقة.
 
وحده الحب يستحق الإيمان والثقة
هناك آية في رسالة يوحنا الأولى نمر عليها عادة مرور الكرام، ولكنها جوهر مكنون إيماننا كمسيحيين. يتحدث الرسول عن موضوع إيماننا فيقول: "لقد عرفنا وآمنا بمحبة الله لنا" (1 يو 4، 16). هذه الآية هي إلى حد ما كنه عنوان كتاب اللاهوتي فون بالتازار "وحده الحب يستحق الإيمان" (Glaubhaft ist nur Liebe).
إن مصداقية الآخر وإمكانية الثقة به هما أمران يسيران سوية، ولكن خبرتنا الظواهرية تبين أن هناك نوع من أولية في مبادرة الآخر. فصورة (Gestalt) الآخر تسبقنا دومًا، وبمعزل عن مبادرته لا يستطيع توقنا أن يوجد، بل جل ما نعيشه هو شعور بعدم الرضى المكبوت، وكآبة وجودية غامضة وداكنة لا نتوصل إلى فهم أصلها ومعناها، لأننا بالحقيقة ننتظر ما يسميه بلوندل "المستحيل الضروري" (Impossible nécessaire) الذي لا نستطيع تصوره ما لم نلتق به في حياتنا لأن حقيقته هي نقطة جديدة في حياتنا لا يمكننا أن نسبق تصورها، بل ندركها فقط عندما نختبرها. يحدس توقنا الآخرَ دون أن يدرك كنهه، إلى أن يكشف الآخر عن حضوره بحد ذاته. وحدها مفاجئة حضور الآخر في أفقنا وحضوره الفعلي يوقظان في باطننا الإدراك الحسي لحاجتنا إليه، ويدفعاننا إلى الاعتراف بميلنا إلى الثقة.
لنا في هذا المجال مثال في علاقة الطفل بأمه. فالفعل الشخصاني الأول الذي يقوم به الإنسان – بحسب فون بالتازار – هو البسمة التي تعبر عن كيانه الشخصاني الذي يسمو الوجود النباتي والحيواني، وعليه يشبه اللاهوتي استيقاظنا إلى الثقة بالله وإلى دعوتنا الإلهية بـ "طفل يستيقظ على الوعي الذاتي في إصغائه للنداء الذي يوجهه إليه حب الأم. [...] تأويل بسمة الأم وإخلاصها هو جواب الحب على الحب الذي تولده الأم بالذات لأن ‘الأنا‘ يتلقى النداء الذي يوجهه إليه ‘الأنت‘" (H.U. Von Balthasar, “Il movimento verso Dio” in Spiritus Creator, Brescia 1972, 13).
هذه الخبرة الظواهرية التي نعيشها في حياتنا البشرية لها مقابل في البعد اللاهوتي: فوجودنا يعكس بسمة الله التي تزرع في عدمنا رجاء الوجود وتدفعنا إلى ثقة الإيمان وإيمان الثقة. ولكن، عمليًا، هذا الأمر صعب – لا بل شبه مستحيل – إذا لم نسترجع قيمة "الجمال" في خطابنا اللاهوتي المتمحور عادة حول "الحقيقة" و "الخير" الأخلاقي. اختزال صورة الله في الأفق الأخلاقي يعقّم كيانه، ولا يولد فينا الاهتمام.
في اللاهوت كما في الوجود لا يمكن الفصل بين "الجمال"، "الحق" و "الخير"، عليه على كلامنا عن الله أن يبين "الجمال" في وجهيه: جمال الله، وجمال أن نكون مع الله. فون بالتازار هو من هذا الرأي إذ يقول: "في التاريخ لا يمكن أن يكون هناك لاهوت عظيم وخصب تاريخيًا إذا لم يتم الحبل به وولادته تحت نجوم الجمال والنعمة" (H.U. Von Balthasar, La Gloire et la croix. Les aspects esthétiques de la Révélation, I, Apparition, Alençon 1990, 12).
لم هذا؟ لأن الغاية من اللاهوت هي أن يرتد الإنسان إلى حب الله في يسوع المسيح، وهذا الأمر لا يمكن إن يتم إلا في ظل النعمة التي تفتح عيون الإيمان لرؤية جمال الحب، توق الإنسان الأعمق. اللقاء بالجمال يتميز ببعدين: الحدس والانجذاب، وهذان الأمران مرتبطان: فنحن لا نحدس حقًا إذا لم ننجذب، ولا ننجذب إلا بعد أن نحدس. أن نحدس صورة الله يعني أن ندرك حقيقتها في تألق بهائها.
ولكن ما هو جوهر جمال الله، هذا الجمال الذي قال فيه دوستويفسكي: "الجمال سيخلص العالم"؟
جمال الله يتجلى تاريخيًا في اللوغوس الذي ينحني ويفرغ ذاته ويبين عن نفسه أنه حب، وكونه حب هو مجد "كافود" وتألق. لو لم يكن اللوغوس المسيحي الحب المطلق اللامشروط واللامحدود لكان ترتب عليه "أن يقف منتظرًا دوره في صف التعاليم والحكم الدينية التي تكشف (فلسفيًا، غنوصيًا وأسطوريًا) عن كنوز الحكمة المطلقة، وتقود إلى اكتمال المعارف المشرذمة" (H.U. Von Balthasar, Solo l’amore è credibile, Roma 2002, 44). ولكن، بما أن المسيح-اللوغوس قد أحب "حتى النهاية" (راجع يو 13، 1) مفرغًا ذاته حتى الموت، موت الصليب، وبما أنه ظهر كالراعي "الجميل" (ho poimen ho kalos) الذي يقدم ذاته لأجل خرافه (راجع يو 10، 11)، فإن تقدمة ذاته تضع الإنسان أمام خيار ضروري: إما أن يقبل فيض هبة الحب أو أن يرفضها. اللوغوس الإلهي ليس مفهومًا يمكن ضمه إلى الآخرين، إنه حضور يتطلب حبًا أمينًا، وإلا كل المواقف الأخرى هي زنى روحي.
 
نظرة إلى الجمال اللاهوتي
يقوم حب الله في موضوعيه ككلية صادقة وموثوقة ليس فقط لأن حب الله في المسيح "يحب حتى النهاية"، بل لأنه أيضًا قادر على الانتصار على الأعداء الحقيقيين: الخطيئة والموت. فالمسيح يتجلى كـ "أجمل بني البشر، الذي تفيض النعمة على شفتيه (راجع مز 44، 3) ويشرح الكاردينال راتسنغر (بندكتس السادس عشر) هذه الآية بالقول: "النعمة التي تفيض على شفتي المسيح هي دليل على البهاء الداخلي في كلمته، وعلى مجد بشراه. وعليه لا ينال المجد فقط الجمال الخارجي لظهور الفادي، بل ما يجذبنا إليه هو جمال حقيقة الله التي تجرحنا بجرح الحب، وتشعل فينا توق الإيروس المقدس إلى اللقاء به، مع الكنيسة العروس، في جو الحب الذي يدعونا" (J. Ratzinger, “La bellezza, nostalgia di Dio” in Avvenire, 20 aprile 2005).
وعليه فجمال المسيح هو جمال لاهوتي يبقى حتى في أصعب اللحظات حيث يزول كل بهاء خارجي، إذ يقول فيه أشعيا متنبئًا: "لا صورة ولا بهاء له حتى ننظره" (أش 53، 2)، وذلك لأنه في صلب آلامه، وفي غياب المقياس والتناغم، اللذين هما مقياس الجمال في الفلسفة الإغريقية والوسيطية، يبقى المسيح "أجمل بني البشر"، لا بل يعيد إلى الخليقة جمالها إذ يغسلها بجرحه من أدناس الأنانية والانغلاق على الله في أتون حبه وغفرانه، ولذا نحن ننظر إلى المسيح المصلوب، ننظر إلى الذي طعنّاه لأنه هو وحده عنده كلام الحياة الأبدية.
من يؤمن بالمسيح يدرك أن "جمال الحقيقة يقبل الإهانة، الألم، وأيضًا سر الموت الغامض؛ الحقيقة يمكن إيجادها فقط في قبول الألم، لا في تجاهله" (راتسنغر، المرجع نفسه). يبين لنا يسوع أن الحقيقة جميلة وصالحة لأن الحقيقة الكبرى هي حب الله "الذي يعرف أن يحول سر الموت الغامض في نور القيامة المشع. يتخطى بريق مجد الله كل أشكال الجمال الأرضية. الجمال الحقيقي هو حب الله الذي ظهر لنا بشكل نهائي في السر الفصحي" (بندكتس السادس عشر، إرشاد رسولي ‘سر المحبة‘، عدد 35).
هذا هو الجمال الذي سيخلص العالم، جمال حقيقي وملموس، لا جمال جمالي رومنطيقي مبتذل. المسيح هو الجمال في المسيحية لأنه في المسيح نجد ملء وحقيقة الوجود البشري. في نور بهائه، الذي يعانق الأمل، الصمت وظلمة الصليب، يجد سر الإنسان نورًا كافيًا (راجع فرح ورجاء، 22).
المسيح لم يقدم أجوبة على كل تساؤلات البشرية، ولم يقدم حلولاً لكل مشاكل العالم، المسيح قدم ذاته طريقًا، حقًا، وحياةً (راجع يو 14، 6).
يقوم المسيح في تغيير معالم ومقاييس الجمال الدنيوي، فجماله هو انفجار حب وقداسة ونور حياة في قلب الكره، الخطيئة وظلام الموت.
 
جمال الله الجذاب
على ضوء القسم السابق من هذه المقالة يمكننا أن نستخلص أن الجاذبية هي من صفات أمانة الله. إله المسيحيين لا يجيب فقط على تساؤلات المؤمنين العقلية، بل الوجودية. إن أغنية جوان أوزبورن (Joan Osborne)، شقيقة مغني الروك الشهير أوزي أوزبورن، التي تتساءل: "ماذا لو كان الله واحدًا منا، مجرد بزاقة عارية مثل كل منا، مجرد غريب يستقل الباص يبغي فقط أن يرجع إلى بيته!". المسيح أجاب على هذا السؤال: الكلمة صار بشرًا، وشاركنا حالتنا البشرية في كل شيء ما عدا الخطيئة، لأنه رغم كونه في صورة الله لم يحسب مساواته لله غنيمة، بل أفرغ ذاته آخذًا صورة عبد، وصار مشابهًا للبشر. وإذ ظهر ي صورة بشرية واضع نفسه حتى الموت، موت صليب العار، لأنه العمانوئيل، الله معنا...
هذا الحب المجنون يجذب إلى الثقة لأنه يقترب منا كغريب ويمشي إلى جنب من يسير مسيرة الحياة قاتم الوجه وحزين، متقوقعًا تحت ثقل اللامعنى الظاهري للحياة والموت، وتحت نير الغروب المتواصل للآمال البشرية. ولكن مع تساؤلات هذا المسافر الغريب ينفتح قلب الإنسان على توقعاته الأعمق ويستطيع أن يلاقي الأجوبة التي لم يكن يتوقعها والتي تجعل قلبه يتقد في داخله. ينجذب الإنسان في غمرة هذا اللقاء فيحمل نور المسيح إلى أعمق أعماقه، فيكتشف أن جوهر وجود المسيح هو هبة الذات الكلية، الحب اللامشروط، قوت الحياة ونداء الشهادة (راجع لوقا 24: إنجيل تلميذي عماوس).
الإيمان والأمانة يتولدان من العجب الذي تولده مفاجئة حب الله التي هي قمة الخبرة الدينية. هذه المفاجئة تذهب أبعد من كل قدرات الخيار: يبدو أن خيار الإيمان هو خيارنا، ولكن إيماني بالحقيقة ليس أمرًا آخر إلا الاعتراف بحب آخر يسبق حبي، وإيمان آخر يسبق إيماني. أنا أؤمن لأن الله آمن به مسبقًا.
جمال الله الذي يستحق الثقة والإيمان يتجلى في الكلمة –دَبَر- وأيضًا في كل قطرة قداسة وخروج من الذات في الحب. في قلب ثقافة وصفها بعض أنبياء العصر بـ "حضارة الموت"، حضارة – وصفها نيتشه بأنها "محت الأفق بالاسفنجة"، حضارة "موت الله"، وحده القديس يستطيع أن يشهد لواقع أسمى وشهادته هي ذاكرة خطيرة تردد صدى الله حتى في قلوب مشتتة ابتعدت عن أحلامها العميقة. يقول دو لوباك: "في سور سجن كثيف مظلم، يكفي ثقبًا يسيرًا في السور لنشهد أن هناك شمس. وهكذا أيضًا في هذا العالم، الذي هو الآن داكن وثقيل، يكفي لقاء سريع بقديس لكي يشهد الله" (H. De Lubac, Sur les Chemins de Dieu, 184).
طوبى مرتين لأنقياء القلوب لأنهم، أولاً، يرون الله (مت 5، 8) وثانيًا لأنهم يجعلون الله مرئيًا. القديسون يجعلون الله مرئيًا أكثر من البراهين العقلية لأن بنيتنا الأنثروبولوجية هي روائية، وتحتاج إلى الصور والسرد أكثر منه إلى المفاهيم والنظريات. هل تساءلنا يومًا لما تؤثر فينا الأفلام أكثر من المعادلات الحسابية؟
لنا مَثَل في هذا الأمر في سيرة أديت شتاين التي، خلال زيارة إلى بيت صديقها هدفيغ كونراد مارتيوس تجد كتاب سيرة القديس تريزا الأفيلية، تقرأها في ليلة واحدة وعند انتهائها من القراءة تقول: "هذه هي الحقيقة، لقد وجدتها". هذا الاكتشاف ليس اكتشاف متحمسة دينية، بل هي ما يقوله باكلي: "هي اعتلان الإلهي في صلب سيرة بشرية معقدة جدًا، وقدرة إنسان على تفسيرها كما يجب".
ولكن جمال المسيح، وجمال القديسين على السواء يبقى خجولاً، عاجزًا أمام حريتنا البشرية عندما ترفض أن تثق. ولذا، إذا سبق وقلنا أن وحده الحب يستحق الإيمان والثقة، يجب أن نضيف، أن وحده الحب، ووحده من يُحِب يستطيع أن يؤمن ويثق.
 
وحده الحب يؤمن ويثق
إن المسيح المصلوب على الجلجثة هو ذاته، ومع ذلك فقد عنى حدث صلبه أمورًا مختلفة للفريسيين، الكتبة، لقائد المائة، للص اليمين وللص اليسار، بلمجدلية، ليوحنا وبمريم. كان هناك استعداد مختلف في كل منهم، وهذا الأمر أعطى كلاً منهم خبرته الخاصة للحب الآتي من الصليب. فقائد المائة، انطلاقًا من استعداده سمع كلمة الله الأخيرة في حياته الأرضية وهتف: "كان هذا حقًا ابن الله". صورة المسيح المائت على الصليب، المتروك من الله والذي يسلم روحه في يدي الآب بحب يؤمن ويثق، يولّد في قائد المائة الإيمان. ثقة المسيح تتولد من حبه للآب وبدوره تغذي الحب، الحب الواثق الذي يفتح عيون إيمان قائد المائة.
الإيمان قبل كل شيء هو ثقة. هو وثبة يدفعنا إليها الزخم الحيوي الذي لا يكتفي بحفنة من الأمان ليعيش بل يريد أن يغور في عباب اللقاء. توق يحثنا على تخطي نقصنا لننفتح على ملء الآخر.
المسيح هو الإنسان الذي لا نتجرأ أن نكون، ولكن في الوقت عينه هو كل ما يتوق إليه كياننا وكل ما نبغي تحقيقه. نتوق للنظر إلى الحب المصلوب والاعتراف بأننا نجد فيه معنى وجودنا، والفداء من الوحدة، الموت والخطيئة. اعتناق "حالة القلب" هذه، كما يصفها جون هنري نيومان، هو قبول توقنا شبه الغرائزي إلى الحياة والشركة. بكلمة أسهل، هو أن نقبل أن نحب.
يعتبر القديس أغسطينوس الحب كـ "غريزة القلب"، وهو يتضمن عيون ودوافع الإيمان. يقول القديس أغسطينوس: "من يحب يرى الحب، ومن يرى الحب يرى الله، لأننا نرى ما يشابهنا".
ويتابع القديس قائلاً: "من يؤمن بالمسيح يؤمن بطريقة أن يحبه. هذا هو معنى الإيمان بالمسيح: أن نحبه". وتعليقًا على الآية: "ما من أحد يأتي إلي إن لم يجتذبه الآب" (يو 6، 44) يقول أغسطينوس أن الحب هو القوة التي تجذب النفس لأنه كما أن للحواس متعتها، كذلك للقلب متعته، وهذه المتعة هي الحب. فقط إذا ما أحببنا نستطيع أن نؤمن، ونستطيع أن نفهم معنى الإيمان.
الإيروس هو دليل على حاجتنا إلى الآخر. أن نقبل الإيروس يعني أن نقبل بتواضع حالتنا: أننا مخلوقات بحاجة إلى الآخر لكي نكون حقًا. من لا يعانق ضعفه وحاجته أمام الله، ويقبل أنه محبوب تمامًا كما هو، رغم ضعفه وفقره لا يستطيع أن يستسلم لحب الله له، ولا يستطيع أن يحب الله حقًا، وإذ لا يحب الله لا يستطيع أن يؤمن به أو أن يثق به.
جميلة في هذا الصدد ونبوية الكلمات التي يضعها برنانوس على لسان خوري من الأرياف: "أن نكره ذواتنا هو أمر أسهل بكثير مما نتصور. النعمة الحقة هي أن ننسى ذواتنا. ولكن إذا ما مات كل كبرياء فينا، النعمة تكون أن نحب ذواتنا بتواضع، وكأننا نحب أيًا كان من أعضاء يسوع المسيح المتألمة". أن نحب ذواتنا تحت نظر الله يعني أننا توصلنا إلى أن نؤمن بكلمة الإنجيلي يوحنا القائل: "إذا ما وبخنا قلبنا، فالله أكبر من قلبنا" (1 يو 3، 21).
في فقرنا المطلق، وإلى جانب الديك الذي يستنكر نكراننا، هناك دومًا يسوع الذي ينظر إلينا نظرة حب تقيمنا من لجة الخطيئة والنكران. يختبر الإنسان الحب إذ يختبر أن الله يحبه أولاً (راجع 1 يو 4، 10)، وأنه يبرهن عن حبه لنا إذ "عندما كنا خطأة، مات المسيح لأجل الخطأة" (روم 5، 8). من يقبل حب الله المجنون هذا تتدفق في قلبه ينابيع العطش إلى الله، الذي جاء إلى آبارنا عطشانًا لكي يوقظ عطشنا إليه.
في نهاية المطاف: المحبة
في ختام مقالتنا، التي بدت سلسة ومباشرة حينًا ومعقدة وغامضة أحيانًا، لا بد لنا من الإشارة بوضوح إلى الثمار التي رمنا حصدها من تحليلنا. لقد أردنا الحديث عن الحب كجوهر حقيقة الله، وفي الوقت عينه كمبدأ معارفي هو وحده يستطيع أن يدخلنا في إطار المعرفة اللاهوتية التي هي معرفة اتحادية. ففي الحب يتم الاتحاد والتعرف الوجودي (لا النظري فقط) على الله في الإيمان. في الاتحاد، يبلغ الحب والمعرفة كمالهما ويزول الجدار الذي يفصل العارف عن موضوع معرفته. تتضمن المعرفة نوعًا من الولادة سويًا (اللغة الفرنسية تعبّر عن هذا الأمر في أثيمولوجية كلمة "معرفة": con-naissance)، وذلك عبر الخروج من المعايير الفردية الخاصة للدخول في فرادة الآخر والتعرف عليها باطنيًا.
ولكن في كل هذه المسيرة، لم يكن هدفنا عزل العقل أو نفيه، بل جل مرادنا كان السعي إلى إدخال العقل في إطار الإنسان المتكامل، كجزء من عناصر المعرفة البشرية. ففي الإيمان إن لتشامخ عنصر ما أو نقصانه النتيجةُ عينها: الهرطقة (تعريف الهرطقة هو أن نجعل من الجزء كلاً على حساب الأجزاء الأخرى). الهرطقة هي خطيئة ضد الجمال، جريمة ضد التناغم، هي اختلال في التوازن وخلط مغلوط لألوان لوحة الإيمان.
الإيمان الحق هو إيمان يوصل الإنسان إلى توازن متكامل يلج الإنسان من خلاله في فعل الإيمان كإنسان، لا كعقل معزول، ولا كعاطفة جياشة وعمياء. هذا الإيمان هو عيش للوصية الأولى: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك، كل قوتك، وكل عقلك".
يمكننا أن نقول أن الإيمان يعتنق الغريزة المنطقية، والغريزة الميتولوجية والميتالوجية (ما بعد المنطقية) للاقتراب من عتبة الله. ولكن، لا بد من القول أنه فقط من خلال "غريزة الروح القدس" كما يسميها القديس توما الأكويني، يتحول فعل الإيمان البشري إلى فضيلة لاهوتية. فقط بالروح القدس الذي أفيض في قلوبنا يضحي توقنا فعل حب إلهي (راجع روم 5، 5).
معرفة الله الحقة تقوم في الأمانة للحج الروحي المتواصل نحو أمانته لنا. هو دومًا البادئ. نحن نحب لأنه أحبنا أولاً، وجوهر إيماننا هو أننا "تعرفنا وآمنا بحب الله لنا" (راجع 1 يو 4، 16).
وعليه، إذ نشدد على أهمية اللاهوت الاجتماعي (المعروف أيضًا باسم اللاهوت المدني)، لا بد لنا من أن نشدد على أولوية اللاهوت الصوفي الذي لا يشكل حصة بعض الأنفس المختارة، بل هو كنز يعطيه الله مجانًا لكل المسيحيين. خلاصة المقالة هي هذه: غاية كل حياة مسيحية هو الاتحاد الصوفي بالله في الحب؛ وبحق قال اللاهوتي كارل رانر (Karl Rahner): "مسيحية الغد إما تكون صوفية وإما لن تكون". والصوفية الحقة ليست ظواهر فائقة الطبيعة، بل هي بساطة الحياة المسيحية المعاشة في محبة الله الفائقة. أليس هذا تعليم بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (فصل 13)؟ وألم يقل "الملفان المتصوف" يوحنا الصليب أننا في نهاية المطاف سندان على المحبة وحدها؟ ما هذا إلا انعكاس لتعليم يسوع: عندما سأله أحد معلّمي الشريعة :"ما هي أعظم وصيّة في الشريعة؟" أجابه يسوع: "أحبّ الرب إلهك بكل قلبك، وبكل نفسك، وبكل عقلك. هذه هي الوصيّة الأولى والعظمى. والوصيّة الثانية مثلها: أحبّ قريبك مثلما تحب نفسك. على هاتين الوصيّتين تقوم الشريعة كلها وتعاليم الأنبياء". (راجع مت 22، 35 - 40).
 
نقلاً عن "زنيت"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
بولس والرسالة الأولى إلى أهل قورنثوسالله واحد ولكنه ليس متوحدًا ومستوحشًا.. تأمل من وحي لاهوت القديس غريغوريوس النيصصي
قيمة الإنسان.. بحث في أنثروبولوجيا الآباءالفَلْسَفَةُ المَسِيحِيَّةُ
خصائص لغة الأمثال الرمزيةالقومية أو الثقافة في الكنيسة
المسيحيّون وهاجس الأعدادتأنسنَ الإله ليؤلّه الإنسان
الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس.. معاً نحو الوحدةالمسيحيّة والمؤسّسات
الحجّ رهبانيّة المسلمينقراءة في كتاب "شرح الأمانة" للأب الدكتور بيير مصري
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى