الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مختارات --> كتب

«وجوه غابت» كتاب المطران جورج خضر: هو القلب.. قلبك الذي يرى

  بقلم: هاني فحص


انقر هنا للتكبير
 
 
لا لنقص في أعداد من يقرأون أو يكتبون ويجيدون، نرغب، قال لي سمير نعيمه: إن تكتب في كتاب المطران خضر – وجوه غابت – بل لأنه في الأولين من أحبائك، وهو لا يرضى أن يحبّ أحداً بأقل مما يحبه، ويعلمنا حبك في ما يعلمنا من الحب، ويبدو أنك تحبنا كما يحبك، ونحن نحبك كما يحبك.. ووقعت في إغراء الكتابة على أن إغراءً أقل من هذا كفيل بإيقاعي.
بلى.. وحتى لا يكون حبي للمطران جورج مجلبة لشبهة، فإني أتعمّد نقده.. ولكن سراً، وفي نصوصه التي تكون فيها اللغة خادمة للفكرة، لا مقاماً للوجد.. ولو جاهرت لما صُدِّقْت، وبعض ما أحبه فيه هذا السؤال الذي يأتيني من حبره وعينيه ويحرضني على المعرفة، وإذا ما شرعت بالجواب اكتفى منّي بالتمتمة، كِفاء ما أكتفي منه بالهمهمة، ليبقى السؤال مفتوحاً على السؤال. وفي السؤال الذي يؤثره نتجاور، نتعارف، ونتثاقف، وتفوح من إهاب كل منا رائحة الآخر.. ويعمُر القلب مكاناً أمثل لإنتاج المعرفة.. كما يرى المطران خضر ملحاً، وألحّ معه على تزكية المعرفة القلبية متسلحاً بالنصوص القرآنية الصريحة، مؤكداً على أن ما في القلب يأخذ طريقه سَرَباً الى العقل دائماً.. وليس دائماً يذهب ما يكون عقلاً صرفاً الى القلب.. من هنا.. لا يقف المطران ولا أنا، موقف السلب أو التهمة من أشخاص نحبهم وهم يحبون ويترددون أو يتلكأون في التعبير عن إيمانهم بالله.. ونكتب عنهم وكأنهم غير ما هم في العيون الضيقة.
هو القلب إذن، واسمعوه كيف يؤصل ذلك، لا يبرره فقط، لأنه ليس ارتكاباً يقول «كل تواصل في الدنيا نسبي، فمن اخترته قريباً قد تكتشف بعدك عنه أو بعده عنك» – ص 29. وفي نهج البلاغة لعلي «أحبب حبيبك هوناً عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً عسى أن يكون حبيبك يوماً ما».. ويقول المطران عن الموت، كما لو أنه الاختلاف الفكري أو العقدي الذي يتضمّن معنى من معاني إلغاء الآخر المختلف كأنه يميته «لأن الفراق ليس مقاطعة» – ص 10.
وأولئك الذين يكرهون ويدّعون أن كرههم كُرمَى لعين الله، يراهم المطران في عماء يزين لهم «أن الله شرطي يترصد الخطأة ليعاقبهم» – ص 37. فيعاقبونهم نيابة عنه، وهو قد ادخر لهم الرحمة لأنه رحمان.. وأنهم يكرهون العاصي بدل المعاصي.
هو القلب إذن.. موطن الله «.. ويسعني قلب عبدي المؤمن» وموطن الوطن «إن القلوب مواطن الأوطان». «ومذ خفيت عني الطلول تلفت القلب».
هو القلب.. يقول المطران «لا يقلق سوى القلب ولا يموت سواه» – ص 78.
و«.. بهاء الكلام يأتي من بهاء في القلب لا يُسْبر غوره» – ص 145. هذا الفضاء الرحب من الحب يتيح لي التباسات بأكليركيين وعلمانيين كُثر فما المخرج؟ يقدم لي المطران مخرجاً رؤيوياً يقول: «الفن مثل كل ما يبدعه القلب البشري قائم تحت راية الالتباس» – ص 254. ولكن المطران شديد الحذر والفطنة التي تأتي من جهة القلب لتحميه من الغش والغبن، فيفضح الالتباسات المراوغة: «قد يجرب الإكليركي بالاستعلاء والانعزالية، وقد يشعر ان العلماني دونه كرامةً.. وبالعكس قد يتمطرن العلماني» – ص 127.
ويقول علي (ع) «قصم ظهري اثنان؛ جاهل متنسك وعالم متهتك». ولا يخاف محمد الرسول (ص) على المؤمنين أحداً كما يخاف منافقاً عليم اللسان.. وأنا ما عرفت أقسى من شيوعيين تشيّعوا أو أسلموا، ومن إسلاميين كفروا أو فسقوا..
مصرّ على الحبّ
أما جورج خضر، ومع المختلف صبحي الصالح مثلاً فهو يقول عنه: «بقيت يا سيدي فقيهاً في اللغة حتى آخر رمق، لكنك ظللت في العمق فقيه محبة.. أردت المعرفة سكناً لك» – ص 280. وعن المفتي الشيخ حسن خالد: «جذبني تواضعه وهذا التهذيب الذي يجعل علماء المسلمين يجادلون بالتي هي أحسن إذا اختلفوا مع محاوريهم، هذا ما كان يمنع عنهم تحكم صلابتهم، والمؤمن صلب» – ص 281. ولم يخضع المفتي حسن خالد كلياً للتموضع السياسي الذي أرادته الأجهزة والمطامع الطائفية» – ص 283. هذا في من يختلف عنه في الدين.. أما مع من يختلف معه في المسيحية، فإنه لا ينسى الاختلاف، ولكنه يأتيه من جهة الاتفاق. يقول عن البابا الكاثوليكي الراحل يوحنا بولس الثاني: «لم يذهلني أحد بتواضعه، كما أذهلني يوحنا بولس الثاني.. جعل نفسه تلميذاً في مجمع الفاتيكان الثاني» – ص 185، ويضيف: «في السينودس لأجل لبنان وقفت خطيباً وأنا على بعد عشرين سنتيمتراً منه على المنصة، وتحدثت عما يفصلنا عن الكنيسة الرومانية.. بقي حانياً عنقه ويستمع بهدوء.. أقر بأن بساطة الحياة أقوى من الدور» – ص 186.
ويتيمه يواكيم مبارك يقول: «لم يتسع له مدى، ما تنفس بملء صدره في مكان» – ص 161.
ويضيف: «لقد كان قريباً من البسطاء خالياً من استعلاء المثقفين» – ص 164. دائماً يبحث جورج خضر عن الجمال والإيمان في أوساط البسطاء ويضيف عن مبارك: «والمهملون من العاطفة والعدل كانوا عنده الأعزاء، على هذه الخلفية يجب أن نفهم موقعه من فلسطين والإسلام والعُربة وجرحه اللبناني» – ص 168. ولعل أجمل ما قاله المطران خضر عن مبارك مبتعداً عن النفاق مصرّ على الحبّ، أنه قال - أي مبارك - : «يجب على كاثوليك الشرق أن يقفوا على مسافة من روما وعلى الأرثوذكسيين أن يقفوا على مسافة من بيزنطة، حتى يكتشفوا معاً أنطاكية». ولم يتحملها المطران خضر قال: «هناك مسافة مع روما، ولكن ليس هناك من مسافة بين أنطاكية وبيزنطة» – ص 163. لم يزعل يواكيم.. تبادل محبة ومعرفة مع المطران.. ومات منقهراً.. تفرغ للبحث عن الحقيقة في مكان آخر.. في كنف الله».
عن رفيق الحريري يقول كلاماً نقياً «كان لك أن تختلف معه في كل شيء، وكان يحتمل ذلك أو يتحمله، وفي حسباني أنه كان يريد الموضوعية في كل بحث، كان يتوق الى إخراجنا من العالم الثالث.. الى عروبة ما كانت تهدد كيانية البلد» – ص 298-297، ويضيف: «ينظر الى لبنان ذهبي الوجه حريري الملمس فولاذي القبضة على كل قدراته» – ص 299-298. ومع جورج حاوي يقوم بمقايضة، كأن كلاً منهما كان يظنّ أن المسافة بينه وبين الآخر بعيدة ونوعية، ليكتشف لاحقاً أنه يمكن تقصيرها بالتبادل.. من جورج بتجاوز لمادية فيورباخ القاسية والتسلل من الجدل الماركسي الى الجدل الهيغلي ومن المطران خضر الرحابة والرضا الذي يتقنه، يقول المطران عن جورج: «صافحته باليد فقال لي لماذا لم تقبّلني؟ فقلت له: شرطها أن تقول «المسيح قام»، فقالها» – ص 305. اشهد بناءً على معرفتي بجورج حاوي أن سقوط الاتحاد السوفياتي أتاح له البوح بمكنونه.. ليثبت قناعتنا بأن الإلحاد الصرف هنا، في منابع النبوات، صعب جداً.. وما علينا إلا أن نساعد من يدّعيه على فتح قلبه ليجد الله فيه فيرتاح ونرتاح.. ويحضرني هنا الأمر النبوي الجميل «استفتِ قلبك، استفتِ قلبك، استفتِ قلبك.. وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك». أما سمير قصير فيبدو ان المطران خضر كان يدخر له حباً معتقاً.. ولا يتوقف منه على خلاف أو اختلاف، يقول : «كأنه في نشدانه الحرية وجماله كان ذاهباً في مسرى لا يصل إلا الى الرب في الأعالي»، «يا سمير يا راقداً في سلام الحقيقة.. لقد جرّحت التنين وسلاحك القلم الذي يضع كلمات تجيء في عمقها من الكلمة الذي كان من البدء، وأما الحرية فملكوتية لأنها ابنة الله» – ص 301.
هناك أشخاص لا أعرفهم إلا قليلاً.. تواضعوا من أعاليهم.. فاختارهم المطران خضر ليصبّ شآبيب محبته على أجداثهم، كأنه يتقرب أو يقترب بذلك من روح الله «صوفيا قربان.. عاطف دانيال.. اسكندر ورد، شوقي الراسي، عاطف نجم الخوري كلنك، رفيق حيدر، سبيرو خوري، سمير اسكندر، أنيت خوري إلتفرياوس».
ذكرني المطران بأحبة من فلاحي قرانا قلت فيهم ارتجالاً أجمل وأحبّ اليّ من كل ما كتبت.. وظللت مشدوداً، إلى من نشترك في معرفتهم وهو يعرفهم أكثر، لأرى الى أين هو ذاهب؟ وجدته يذهب الى حيث أود أن أذهب، الى فضاءات أرواحهم وبراحات قلوبهم ونقاوات ذواتهم.. ونشدانهم الرحمة بالرحمة التي هي الضمان والأمان.. فلا يستعلين عابد أو عالم أو سلطان لأن الرحمة وحدها، وهي شأن الرحمن، هي التي تخلصنا وتكون استحقاق صفائنا وتقوانا.. ولمسالكنا وعباداتنا ومناسكنا دور دون شك.. ولكنه يبقى منقوصاًَ ما لم نستحق الرحمة.. من هنا ما يتساءل عنه المطران خضر: «لماذا لا يخشى الموت الا النادرون من المؤمنين؟» – ص 17 ويلمع وكأنه نجم معتزلي يقول: «وهكذا لم يخلق الله المرض ولا هو يشوّه الجسد والروح ولا يريد ذلك.. غير أن النفس البشرية تسقط عن الحب وتفسدها أمراضها» – ص 39.
ويؤكد حرية الاختيار «لماذا لم يجبرنا الله على الخير جبراً، سؤال كهذا يطرحه الإنسان إذا ندم على الحرية إذا لم تسحره حريته ولم ير فيه أجمل ما فيه.. العنصر الإلهي فيه» – ص 4.. لقد ردني في هذا الكلام الى آية الاستخلاف، استخلاف الله للإنسان على الأرض واستثناء الملائكة الذين اعترضوا على أساس أن الانسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء. فقال لهم الله بأنهم لا يعلمون.. لا يعلمون أن الحرية بما تحتمل من خطيئة هي استحقاق خلافة الله التي لا يصلح لها الملائكة، لأن عبادتهم وطاعتهم لله تكوينية لا خيار فيها. يقول خضر «من هنا.. إن مسار الخطيئة دليل ألوهيتنا، ولو كانت الخطيئة انتقاصاً لألوهيتنا فالإنسان وحده دون الحيوان يخطئ « – ص 40 ، وفي المأثور النبوي «كلّ ابن آدم خطّاؤون وخير الخطّائين التوابون»..
و«الموت إمكان من إمكانات الحرية» – ص 41.. ألذلك قال المطران كثيراً عن الموت.. لأنه يريد القول على الحرية.. هكذا إذن ينحلّ التناقض وبهذا الجدل الجميل والحميم والدافئ..
ويخرج المطران خضر من فضاء المشهد الى الذاكرة المكوِّنة «كان الأذان بِعضاً من حسنا وكنا نعجب كيف يأتي المؤذن الى جامع طينال جارنا خمس مرات في الشتاء القاسي» – ص 113.. هذا الجمال شوّهته مكبرات الصوت.. فامتعض المطران خضر وافتقد المؤذن كما افتقدته في قريتنا وكتبت عن أذانه وشغف آذاننا سابقاً وصداعنا الآن.
وقد أطلت، فبماذا أختم؟
أختم بتقاسيم يلتقي فيها اللون والإيقاع ووقع الكلام، تغريك بالفن الذي يرقى في رؤية وذائقة المطران الى مقام روحي ومعرفي يلتبس فيه الحزن بالفرح والدمع بالحبر والغناء بالترانيم والإنشاد بالترتيل والطقس الغريغوري بألحان الرحابنة والصمت بالضوء.. ومن الفن إلى الفنان يزدهر الإنسان في النص ويزهر مقام الحجاز صلاة ونجوى. فيلمون وهبة.. يقول المطران: «الفرح الذي تطوع له فيلمون رسالة ثمرة من ثمرات الروح» – ص 244.
عاصي: «حديث الله الى عاصي الرحباني سرّ لا نلجه نحن» – ص 247.
«لعل أهم عنصر إلهي هو الحب في الأدب الرحباني» – ص 250.
«التزام عاصي بالمقهورين وسع حدود الحب في الشعر» – ص 251.
ومن التقاسيم على وتر الربابة.. الى السوناتا الناعمة.. السوناتا ثلاثية هنا.. هي ناديا تويني التي فيها من الشعر أكثر من شعرها.. وفي شعرها من الشعر أكثر من الشعر.. وفي قول المطران فيها حيرة بالغة بليغة بين الشاعرة وشعرها.. بين الإنسانة ومشاعرها.. بين القصيدة ومعادلها في الحياة..
«ناديا وما استكبرت، فقد وسّعتْ عرش البساطة وعزت في القوم واستوت عليه، وإذا أدركت البساطة منتهاها كيف لا تتلاحم والتواضع الذي وحده الكبرُ» – ص 197. «ناديا تويني كانت تغنيك بحباتها عن الحقول، لأنها كانت دفق دلالات والشعر حجاب وقد يكون الحجاب بعض كشف ولكن الوجه هو الحضرة» – ص 199. «وجهك أبقى من الشعر، لا، لن تمضي الأقمار.. لأنك أردت أن تكوني مواطنة في بلد الكلمات» – ص 201. «صوت أبيض لامرأة بيضاء في صحراء بيضاء تحت سماء بيضاء» ـ ص 201.
سمفونية
سأختم مرغماً راغماً.. بما أعتبره قصيدة الكتاب.. أو حركة من حركات سمفونية لا تبحث عن اكتمالها في حركات اخرى، لاكتمالها.. وليد عقل «إن الذين التمسوا البهاء والحق مثلك، كأنهم قالوا للمسيح بلغتهم: تعالَ. على طريقتك التمسته فاستدعاك.. من قال لك يا وليد أن ترهق الحسن بهذا القدر حتى يستردك ربك إليه ليشركك فوق في سمفونية لا تنقطع» – ص 258. «كل قراءة للجمال يا صديقي التماس لوجه الله» – ص 258. «كأن قداساً إلهياً كان يقام بطريقة أخرى»، «هذا فن أو عبادة؟ هذه عبادة أو فن؟ هذا وليد، فنان أو راهب؟ وهذا المطران فنان في مسوح يمسحها ويمسِّحها ولا تمسحه».
« لن نأسرك في عيوننا.. إنها لن تشاهدك إلا معلقاً على الضياء الملكوتي» – ص 260. «لقد اقترب الليل ومال النهار» – ص 54. «نرث فضائل الذين انتقلوا عنا بمعنى أننا قد نراها اليوم وكانت محجوبة» ـ ص 18. كأنك زرقاء اليمامة.. ترى ما لا يراه كثيرون.. ينظرون وترى ببصيرتك.. سلمت عيناك».
 
نقلاً عن "السفير"

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
صدور أوّل كتابٍ عربيٍّ عن لاهوت البيئة وروحانيّة الطبيعةكامو الرجل الذي كان دائماً على حق
جوزيف معلوف: لاهوت الحوار مع الحداثة"العلاقات المسيحيّة المسيحيّة في سوريّة عبر التاريخ".. دراسات مسكونيّة.. كتاب جديد للأب ديك
«العقل والتجربة في الفلسفة العربية» لعلي زيعور.. إبن رشد في تحليل نفسانيعرض كتاب "اختلال العالم" لأمين معلوف
الحلاج.. رحلة البحث عن المعنى.. «الديوان» و«الطواسين»... حسب شوقي عبد الأمير وفيليب دولاربر«بحر الحقائق» في تصوّف ابن عربي
«تأويل الثقافات»كتاب "الثقافة العربية في عصر العولمة" لتركي الحمد
معجم للمؤلفين العرب المسيحيين وآثارهم..قراءات في فكر علي حرب وفلسفته: هدم المتعاليات وخلخلة الأسس
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى