الصفحة الرئيسية
الأخبار
دفتر الزوار
البحث في الموقع
اشترك معنا
اتصل بنا
الكنيسة
نشاطات وأخويات
روحيّات
مقالات
أمسيات ومحاضرات
مختارات
مواهب وأقلام
ملفّات وثائقيّة
معرض الصور
مقالات --> ثقافيّة

الشخصانية في الفكر العربي المعاصر..

  بقلم: د. حليم أسمر

    في تجربة التموضع يتجلّى إبداع الموجود في مغامرة الوجود ،هذه المغامرة تمتح وتمتحن الوجود واقعياً ،فكل موجود لا يستكين حتى ينجز كل إمكانيات الوجود من خلال أدوات معرفية توقعن الوجود بحيث يبقى الوجود الضمان الأساسي للموجود.
    وإذا سأل الموجود أسئلته الكبرى: من أنا؟ من أين أتيت؟ إلى أين أذهب؟ حاول امتحان واكتشاف معطيات هذه الأسئلة من خلال توجهه لفض مغاليق وأسرار هذا العالم عبر مزيد من الحضور والتأنسن سواء أصاب أم لم يصب..
    فتأمل تجربة الموجود واقعياً تقتضي حمل ما أنتجه عبر تاريخه محمل الجد الواعي بعمق إبداع الإنسان (الموجود) وحيوية هذا الإبداع ،فإنتاج الأنا لذاتها من خلال هذه التجربة الأنطولوجية يعيد تأكيد جدّة السؤال: من أنا؟
    هذا الإنتاج تجربة فينومينولوجيا فريدة ،انطلاقاً من أن هذا الإنتاج هو فلسفي وتأكيداً لما قاله ميراب ممردشفلي (1930-1990) :"في كل تجربة فلسفية لحظة فنومينولوجية" هذه اللحظة تعطي السؤال فرادته وذاتيته ومن هذا المنطلق يبقى السؤال متلون بذاتية الوعي في تجربة محايثة لظاهراته الموعى بها . فالسؤال الفلسفي الفينومينولوجي لا يكون إلا من خلال تجربة الموجود في الوجود بعد أن ينكفئ المستوى الظاهري الحسّي تاركاً المجال للوعي ليمتحن ذاته في تجربة من أصعب تجارب وعي الفلسفة لذاتها وإعادة إنتاجها لذاتها انطلاقاً من نقطة بدء أو قل من أرضية تعالت على الحكم والأحكام . ومن هذا القاع تبدأ االرحلة الواعية من جديد ،لكن ما الضامن المعاصر لهذا الذي تعالى على الأحكام ويفترض أن يكون أساساً للصرح الفلسفي الحالي ،وهنا يتجلى المشروع الفلسفي العالمي الحالي ومضاداته ،فاتحاً كل الإمكانيات من جديد ومعيداً للأسئلة رونقها الإشكالي،فسؤال من أنا؟ في بحثنا هذا يمارس جدته من موقع جدل الواقع والذات (الأنا) ،فجدة الواقع تعطي الرونق المعاصر لمكنونات الأنا . هذه المكنونات ينظر إليها من موقع مدى إتاحة الواقع لهذا الأنا بالظهور والتبدي .. وهذا لا يتم إلا من خلال التجاوز والسمو وارتقاء الإبداع الفاعل لإعطاء الكيفية المناسبة للعقلنة المعاصرة في قيادة المجتمع لتمكين الفيلسوف بمهمته من جديد أو لمتابعة هذه الرسالة .
    أحاول على مدى صفحات هذا البحث أن أعيد التأمل بنتاج الموجود (الفيلسوف) في الفكر والحضارة العربية المعاصرة في مجال الفلسفة الشخصانية عند كل من رينيه حبشي ومحمد عبد العزيز الحبابي من خلال الوعي الفاعل وتعالي هذا الوعي وتجربته المغامرة التي تطال كل دفق حي في وعي الفعل الدائم المتعامل مع الواقع بحدود فعله الدائم وسيرورة حياته المنضوية ضمن تجربة الفلسفة في حدود الحاضنة الشرقية والمغربية . الواقع بحضوره الفاعل ،بحضور الإنسان ومعاناته ،بانقباض وجوده ومحاولته إعادة امتحان الوجود من موقع الفاعل فيه والمنتج له (نظراً وعملاً) من هنا ومن البداية تبقى مشكلة الإنسان هي المشكلة الرئيسة في الفلسفة. الإنسان يمكن أن يبدأ التفلسف من وعي ذاته فقط . وفض مسألة الوجود بالنسبة للإنسان ستر في الإنسان . وفي معرفة الوجود الإنسان واقعاً خاصاً تماماً ،ولا يقف في صمت أي واقع آخر .
    والصعوبات التي تحيط بالفلسفة المعاصرة وانزياح الكثير من مستويات الفكر الفاعلة أمام هاوية الفكر المعاصر لابد لها من امتحان قوى الإنسان انطلاقاًمن الهرمونيا الإنسانية بمستويات تعقيداتها كافة ،لأن الامتحان الحالي يطال كل شيء ويبقى الإنسان (الشخص) على حد قول عبد العزيز الحبابي
(حركة) مركز ثقل دينامي يتسع بقدر ما يتقدم ونبقى وثبة داخلية ،ينبغي أن تمر بنا ، لسنا إطارها فحسب ،ولكنّا إلى ذلك صنّاعها الفعّالون .
    أمامنا مغامرة يجب أن نحاولها وإلا تعذّّر علينا كل اكتشاف، وهذه المغامرة تقترب بالإنسان أن يعيش أصالته ومكنوناته في عمق حياته ومجتمعه، فمغامرة الوجود هي عمق الطبيعة وعمق الأصالة، علينا تصعيده، وهذا العمق عمل إنقاذي على الصعيد الشخصي والصعيد المجتمعي، وهو أساس كل باطن وكل تخطٍّ وعلو وتسامٍ. إذاً لا تخرج تجارب الفلاسفة كلها من مكونات مغامراتهم وجدلها مع الطبيعة "لابدّ من المخاطرة النائية الأعماق، المغامرة التي لا شرعة لها إلا الجرأة على أن تكون نحن إيانا وعلى أن نتجدد كل حين فيما لايُصدّق وفيما يتعدّى جميع الحتميات"  
    التعالي أيضاً هو الذي يقينا شفير الهاوية ،لذا من خلاله نكمل ونطوّر كل تجربة وكل مغامرة تفصح عن الممكنات على حد تعبير د.حبابي : "التعالي إذن توتر باطني يدفع إلى تحقيق الممكنات التي تتحرر وتلح في أن تحقق في الوجود" . وتخطي الشخص نفسه ليس مجرد قذف إلى الأمام فحسب، إنما هو أيضاً سمو وتخطٍ فوقي على حد تعبير ياسبرز. حتى إنه لا يسمي حركة التعالي، وربما عاد ذلك إلى طبيعة هذه الحركة من حيث إنها تبغي الإحاطة بكلية الإنسان ، وكأني بياسبرز يومئ إلى لغة رمزية تكاد تكون خفيفة في تعامله مع التعالي. توتر الوجود وتعاليه من خلال إمكانية الفعل ومزج العوالم وعلائقية الإشكالات والعقبات يجعل من التعالي طموحاً إلى الكمال وهذا الكمال المرغوب فيه يحاول الحبابي أن يومئ إليه في قوله: "دور التعالي ليس أن يمزج طبيعتين مختلفتين بل دوره أن يعطي صورة تامة عن الكمال ويجعل منه هدفاً وغاية للإنسان" 
    ورسالة الفلسفة الشخصانية هي رسالة حياة وإيمان حتى يكاد يكون إيماناً يومياً والفلسفة عند حبشي "لاتكون فلسفة ما لم تقلقنا" والفلسفة "تحطّم الدُمى العتيقة التي بين أيدينا لكي تنفحنا بالجواهر" . وفي دفاتره الفلسفية "في سبيل فكر متوسطي" يحدد حبشي الفلسفة بأنها: "اختيار وتأمل لدى الإنسان، وهو إنسان موجود في حالة معينة بالنسبة إلى الكون أي أنه كائن ملتزم في الزمان والمكان" . ومشكلة الفلسفة حية لأن كل عصر تعبر عنه توجهاته الفلسفية، فعندما كتب المفكر صادق العظم نقد الفكر الديني، عبّر عن الإشكالية الكبرى التي يتخبّط بها الشرق، وأستاذنا العظم كتبها من خلال روحه النقدية وحسه الفلسفي المرهف، والتي مازالت حية حتى أيامنا هذه، أيضاً عندما بدأ التيزيني بكتابة مشروعه "من التراث إلى الثورة" أو كتابه "ثالوث الفساد" نطق بلسان حال المجتمع وأحال كل ما يعتمل بوضعية المجتمع إلى دفاتر ثقافية تعطي وتنبه العقول، ولا يبتعد عن وعي المسؤولية الوجودية المُقلقة المفكر أحمد البرقاوي عندما كتب "العرب وعودة الفلسفة" أو عمله الأخير "الأنا". كل هذه التجارب تنم عن عمق المعاناة الفكرية الواعية التي تجسّدت من خلال هذه الصِوى القليلة على هذا الصعيد. هذا الغليان الفكري العربي المعاصر ينبئ بشيء واحد: التخطي، التعالي، التجاوز إلى تجربة التشخصن التي هي بمنزلة مهمة مقدسة أُنيطت بواقعية الموجود، فالإنسان في عالمه الأرضي وشوقه الدائم إلى مستويات متقدّمة من أنسنة العالم وذاته أو يبقى في وضعه البيولوجي لغرائز. لكن إذا اختار الدرب الصعب عندئذ يغدو "الواقع الأساسي للكون هو حركة التشخصن" وهنا يتداخل الفعل التشخصني مع الواقع (البيئة) ومع كثير من ظروف النقص والاكتمال ومعيقات التشخصن.
    لكن ماذا يقدّم التشخصن؟ ما الذي يعطيه؟ وهل نحن بحاجة له فلسفياً واجتماعياً أو على الأصعدة كافة؟والإجابة أيضاً لاتبدو سهلة لكن المدقق بظروف إبداع وعمل الفلاسفة الشخصانيين يستطيع أن يقدم إسهاماً في هذا المجال :
1-يحل التشخصن معضلة ثنائية الذات والموضوع وهي من المعضلات التي عانى منهاالفكر البشري بمجمله، وهذه الثنائية هي التي تجعل من الكائن البشري نداءً مستمراً لما يجب أن يكون: صيرورة وميلاً لتعالٍ مستمر .
2-نصل في التشخيص إلى ما وراء الوجود والماهية ،أي نتخطّى الوجودية بالأخص السارترية .
3-نتيجة حركة التشخصن يظهر الزمن على الأقل بالنسبة للشخص أو زمن الشخص .
4-يأخذ القبل والبعد معنىً جديداً ،وما يملك هذا البعد من مقولات شخصانية .
5-ظهور نوع جديد من الواقع ،وهذا الواقع نلحظه أبعد من الشخص .
6-التشخصن دعوة للتحرّر "ويفتح أمام الكائن صيرورة لانهائية ووسائل لتجاوز الذات بالذات تجاوزاً نحياه في تجاربنا اليومية" .
7-في التشخصن "تضمحل ثنائية كائن ـ شخص وأنواع عديدة من التناقضات"
8-يصل بنا التشخصن إلى التواصل الإنساني ،وتضامن الأنا مع النحن .
9-بالتشخصن يسير الأفراد والأشخاص نحو كمال أعلى وتجاوز مستمر من ثم اكتشاف النقص والنسبية... فالتوتر نحو الكمال يجعل الإنسان يصبو لأن يصير مالكاً للكون .
10-في التشخصن نحيل العالم عقلياً من أجل بناء الذات وإصلاحها وتوجيهها ومن ثمّ تكيف مع العالم المادي والمعنوي والمجتمعي .
    ويعيش الحبابي تجربة تشخصن فريدة من نوعها في كتبه الرئيسة أو في مجمل فلسفته ونتاجاته ،وعندما يصل إلى مرتبة الشخص متخطّياً الكائن يصل إلى "تحرّر وشيء من القلق" . ويزداد وضوح ومتانة مفهوم الشخص الحي المبدعة إنسانياً "بقدر ما تتعدّد مصادر الضياء الذي يلقى عليه" ، وهذا صدى بما تحدّث عنه مونييه في مجلة Esprit (الفكر): "إن ذكاءنا صدر من صميمنا يستخرج من أعماق لحمة الكائن ،الغذاء الذي سيجعل منه أرواحنا" .
    ويقدّم الحبابي في عمله الهام "الشخصانية الإسلامية" تصوّراً هاماً عن تجلي مفهوم الشخص في فلسفته ،فالشخص قوة مبادرة واختيار : "يلتزم، يندمج، ينسجم، يشعر، فيقبل أو يرفض تلك هي الخصائص اللازمة للاعتراف بأن الشخص استقلال ذاتي"
    تتسع رحابة مفهوم الإنسان بعد هذا القرار المبدئي عند حبابي وهذا يعلن أيضاً أن تبني مثل هذا الخط الفلسفي ليس هدفه فقط الاستغراق في التأمل الذاتي والاسترخاء حتى أدنى درجات الفعل ، تبني هذا الاتجاه ينم عن مسيرة عمل شاق لواقع يحتاج لإنقاذ سواء في خمسينات القرن العشرين المنصرم أو مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد أن تفاقمت كل هذه الطروحات وتوترت من جديد، وأمام كل هذا لا يسعنا إلا أن ننتقل إلى تجربة فكرية معاصرة لحبشي ولنا لنرى الإنسان وفعله الواعي والمعنى الذي أخذه ، هل استمر بالتوافق والتساوق مع حبشي أم له خصوصيته في بعض التجليات لنرى الحبابي ماذا يقول عن الإنسان بعد أن أوصل الكائن إلى الشخص . وأبقى كائنية الشخص يرتقي إلى كيفية (نوعية) أعلى هي الإنسان مع الإبقاء على شخصية الإنسان ليصبح الإنسان كائناً وشخصاً ليتخطّى إنسانيته إلى ما وراء الإنسان أو ما فوق الإنسان: "الإنسان هو ملتقى الشخص والكائن مع زيادة، هذه الزيادة التشخصنية يصبح واضحاً أن التشخصن المتعالي ليطال حتى الإنسان... التشخصن حركة لاتكتفي بالإرضاء والتغيير ، بل تقوم أيضاً بعمليات تأسيسية" . وهذه العمليات التاسيسية المشار إليها تعطي المشروعية للنسبي في عالمنا ، ونستطيع صياغة تقريبية :
كائن + تشخصن(تعالي) = شخص
شخص+تشخصن(تعالي) = إنسان
     كـينونـــة
كائن + شخص + إنسان = ما بعد الإنسان
      تشـخصـن
    هذا الانفتاح المبكر على ما بعد الإنسان ، أو هذا الذي يتجاوز الإنسان يؤكد الأساس الباطني اللازمني الذي يؤكده معظم فلاسفة الشخصانية ، وهذا الانفتاح متأتٍّ عن عمل ملتزم وتأمل فكري عميق ونشاط متدفق من خلال الواقع المجرّب فـ "النشاط الإنساني لا يحرز على فاعلية قوية إلا إذا ارتبط بحقيقة لازمنية ، وحيث إنه بدون زمنية لايوجد تاريخ ، كذلك بدون أبدية لايكون للتاريخ معنى ، لأن الأبدية هي المعنى للتاريخ" . إذاً الوصول إلى الإنسان لكي يصبح الإنسان من جديد قابلاً للتخطّي من خلال استعمال كيفية "ما يليق بكرامة عالم الأشخاص" .
    وفي مستوى الخلق ومتابعة الإبداع يتجلّى من جديد أمر هام في تاريخ الفكر الفلسفي ، وكان برديائيف قد نبّه له وعمّقه في شروحاته ، هذا الأمر هو تراجع الوجود إلى الدرجة الثانية بعد أن كان يحتل المرتبة الأولى وتصبح الذات من جديد لها الدور الأول ، هذا الأمر يدلّل عليه الحبابي بنص ممتع : "إننا في عالم نخلقه، ولكن كل شيء في العالم يحتم علينا أن نبدعه في حلّة جديدة ، فنحن نلاحظ العالم ثم نغيره، بل نلاحظه لنغيره. فكل نظرة نلقيها إلى العالم لهي بداية فعل جديد أو نسق تتولّد فيه أفعال أخرى. إن العالم حدث ثالث يمنعنا من أن نبقى متفرجين ، إذ يتحتّم علينا أن نكون عاملين نصنع ونصلح وننسق وننظم" .
أعتقد أن هذا النص يقدّم ما يشبه الثورة في الفلسفة،يلتقي وبعمق مع برديائيف بالنسبة لتقديم الثاني على الأول أي الذات على الوجود، فحبابي لا يدعك تهدأ لحظة، يدخلك في عوالمه من خلال العقل الواعي: "فبفضل العقل يتعاون الإنسان مع الله ويصبح إنساناً آخر له كثافته الأنطولوجية مخلوق، إنه، ولكن يساهم في كينونة العالم" .
    والفلسفة لا تكون إلا من خلال تجلي هذه الكيفية العالية الوعي (الإنسان) واكتمال معناه من خلال انفتاحه على ما بعده ، من خلال ديمومة الفعل الخالق المشخّص الآن لتعرف على بعض الجوانب الأخرى والمحدودة بأكثر خصوصية في تجارب فلاسفة الشخصانية العربية وبالتحديد عند الفيلسوف رينيه حبشي والفيلسوف محمد عزيز حبابي ، وإذا احتاج الأمر قد نعقد بعض المقارنات بين الفيلسوفين من خلال تدخّل تجارب أو تقاطع تجارب أهل الشخصانية في العالم وهذا حسب مقتضيات الإشكاليات التي تقف في وجهنا .
    فلسفة رينيه حبشي كبقية الفلسفات الشخصانية برنامج عمل لا تحدّد بفكرة وحيدة فحسب ، مثل هذه التجارب الفلسفية تنفتح على الوجود وقد تهيأت لكي تنتشي وتستأنس بتجارب الغير . هذه التجارب تؤسس على نفس الأرضية التي تنطلق منها كل فلسفة واقعية حياتية مع أخذ حدّي الزمان والمكان والذات والموضوع وقدرة الشخص . هذه االفلسفة توجيهية منفتحة على كامل شعاب الإنسانية وجهاتها ومن هنا تتجلّى ديمومة الحاضر الماضية "فلسفة صالحة سواء للسياسة أو الحياة الاجتماعية ولعلم الاجتماع مادامت تعدّ فلسفة تخطٍّ للفكر الشرقي أسسه ومناهجه الواضحة المعالم" .
    وهنا لابدّ من النضال الشخصاني ومسوّغات هذا النضال تقدم من الواقع الذي تعيشه الذات وتعاني منه داخلياً وخارجياً وباطنياً وظاهرياً ، إلهياً وإنسانياً، لذا تبقى "الشخصانية ليست نظاماُ فلسفياً بل فلسفة منفتحة مناضلة" .
 وحبشي لايريد شخصانية إلا فلسفة جدلية، وجدلها يؤكّد مقوماتها الأساسية دون أن يقيدها بحدود تصفّدها بأصفاد العالم المتكثر لأن مثل هذه الفلسفات هي التي تخلق التكثر (كما أشار برديائيف) وهذه الجدلية الواقعية هي الوحيدة التي تضمن عالماً شخصانياً جماعياً (كما أكّد مونييه في كتابه الشخصانية والمعشرية) فتآلف الإنسان والطبيعة ، الإنسان والمجتمع ، ذاك التآلف بين الجوهر والوجود الذي كانت تحلم به الماركسية .
    ومن المداخل الأساسية لفلسفة حبشي مفهوم الحقيقة ومفهوم تخطي العبث والفلسفة الرجائية بالإضافة إلى نزعته المتوسطية الهامة :
1-الحقيقة :
    لنطرح تساؤلات عن الحقيقة: ما الحقيقة؟ اختبار الحقيقة؟ حقيقة الاختبار؟ مستويات تجلّي الحقيقة؟ أهي موضوعية أم ذاتية؟ أهناك جدل باطني يسري بها؟ أم أنها ستتجلّى بلباس آخر في اختبارنا لاختبار حبشي لها ، فهل نستطيع أن نختبر: "أنا هو الطريق والحق والحياة" . ومن موقع عصري هل نستطيع أن نصل إلى صرخة "أنا هو الحقيقة" ، وهي صرخة عميقة في تضاعيف الوجود: فهل تعانق الموضوعي المطلق مع الذاتي المتناهي يعجل في الصرخة.
     ورحلة الحقيقة هذه تأخذ عند حبشي درب التجلي أو الخفاء ، يقدم الحقيقة بمنزلتها الضامنة لكل الحقائق الأخرى وكأن للحقيقة مستويات منها ما ينتمي للعالم الموضوعي ، كالحقيقة الرياضية والحقيقة التاريخية والحقيقة السياسية.. ومنها ما ينتمي إلى العالم الباطني والتسامي والوعي وهذا مايخبره وبمزيد من رباطة الجأش والوعي الفائق ، ومن أهم مزايا الحقيقة نستطيع أن نذكر :
1-الحقيقة اتصال ، من هنا الإنسان "لايتعلق بها إن لم نستدع موافقته عليها إن الحقيقة تحتج علينا احتجاجاً إيجابياً ، فهي لاتلتمس حضورنا وحده ، ولكن إلى هذا ، تلتمس أن نتشارك فيها مشاركة فعّالة نشيطة" .
2-الحقيقة مشاركة "الحقيقة وليدة حدث قد اقترح أو أنها وليدة شهادة قد أدّيت وأضيف إليها نشاطنا الذاتي ، فالحقيقة ، وقد نسلتها طاقاتنا بعض النسل ، هي ثمرة مشاركة من المشاركات"، وقد أكّد برديائيف المشاركة ، وقال "إن الحقيقة تكشف لنا المشاركة وتكشف الحب"
3-الحقيقة إبداعية، ويتجلّى مستوى عميق شخصاني في فلسفة حبشي من خلال فعل الإبداع الذي يحيل الباطن بشكل دائم إلى التخطّي والحياة الجديدة: "فإذا أبدع الإنسان، كان إنساناً، فبذل نفسه لكل ما يصيّر إنسانيته إنسانية مبدعة، فعرف بها ذاته وما فوق ذاته: عرف القيمة التي حملته على أن يتخطّى ذاته من أجل فعل خلق جديد" .
وعلى هذا المستوى يلتقي مع برديائيف في كتابه (الحقيقة والوحي) فالحقيقة عند برديائيف "ديناميكية تفترض الحركة.. الحقيقة اكتمال، هي تحويل إبداعي للواقع ، ولا يبتعد عن نيتشه عندما يقول: "الحقيقة هي إبداع الإنسان للقيم"
4-الحقيقة حضور : وهنا يأتي قول حبشي: "من انغلق في التقاليد جمّد الحقيقة، ومن ابتغى أن يصنع حقائق جديدة تمام الجدة، فقد أنتج حقائق تموت قبل أن تكون . وذلك أن الحقيقة ليست في الماضي ولا في المستقبل، لكنها وفاءً لمجرى الزمن، وهي تسطع في اليوم الذي نحن فيه" . وحضور الحقيقة هنا يؤكّد أن فلسفة حبشي هي فلسفة الحاضر، فلسفة اللحظة الحاضرة المتدفّقة من عمق ماضي فعل الإنسان ومتوجّهة إلى آفاق رحابة العالم .
5-الحقيقة الحوار: "...يكفي أن يتقدّم كل إنسان حتى أطراف ذاتيته فيلقى روح كل حقيقة وكلما أكرهنا أحداً على الحقيقة فصلناه عنها، وكلما رآنا لا نعنى بسوى حقيقتنا صرنا وعاء له إلى الحقيقة والحوار"
6-الحقيقة مجانية (مشاع): "وحسب كل مناضل أن يتذكّر أن الحقيقة ليست بشيئه هو وملكه الخاص، إذ لا يجوز لأحد أن يمسّها بيد المالك وإذ لا يجوز لأحد فوق ذلك أن يشهرها وكأنها سلاح هجوم وإلا فإن الحقيقة تموت وتقوى على أن تميت" .
7-الحقيقة دعوة: "والحقيقة الدعوة هي وحدها التي تجمع، فإنه لايبقى إلى الشك من سبيل، لأن هذه الحقيقة هي وحدها التي تخلق الإنسان" .
8-الحقيقة الفرحة: حيثما كان الفرح أكثر كانت الحقيقة أكثر. إنما أردت أن أهب لك الفرح ألا أبقي لي منه شيئاً أريد أن أكون معك في الأصل أريد أن أقترن بعلّتك أريد أن أتعلّم فالقوة التي أحبك بها لافرق بينها وبين القوة التي أنت بها تكون" .
    ولا تكتمل صورة الحقيقة الكاملة دون أن نوضح أو نختبر علاقتها بالحرية الحقيقة والحرية قطبان متجانسان ومتلازمان لكائن وشخصنا البشري، يتحوّل هذا التجانس والتلازم إلى عمل يوحي بحقيقة في عمق واقع الإنسان ومغامراته الشاقة كما وصفها بول ريكور عندما قدّم لكتاب "بدايات الخليقة" ، بأنها: "وثبة مغامرة يهجس فيها ممكنات الخيبة والعدم" ، لكنها وثبة ومغامرة حرة يترافق معها التعالي والسمو والواقع وكل ما أنتجه تاريخ الإنسان من جدل بين الحقيقة والحرية: "الحقيقة اقتراح على حريتنا، فما أن تستيقظ الحرية حتى يكون للحقيقة ممكناتها، وما أن يزورّ عنها الإنسان حتى تموت، فهي أبدا ًمعرّضة لخطر حريتنا. على هذا الوجه المأساوي تنفرج رسالة الإنسان" .
     وما يستوقفني هنا ويستدعي الكثير من التأمّل: "الحقيقة معرّضة لخطر حريتنا" هل المقصود هنا بالخطر (الشر) الكامن في الحرية أو ميتافيزيقية الحرية بأساسها الأولي الذي تحدّث عنه يعقوب البوهيمي وطوّره لاحقاً برديائيف بكثير من الإبداع والخير، وعلى هذا المستوى يحق لحبشي أن يخاف على الحقيقة بعد أن أصبحت الحرية تمتلك حق الخلق وليس الاختيار بين الممكنات فحسب . وهذا التفاف وتخطٍّ خفي للحرية الوجودية على الأقل السارترية . وخوف حبشي مسوّغ لكن الأساس الذي بنى عليه الإنسان بقطبيه(الحقيقة والحرية) اعتقد أنه يحل الورطة وينقذ أو ينجي من الأخطار لكن لا يلغيها بالأخص الإنسان يعمل وينتج ويفعل في واقع بعلائقه وعلاقاته، لذا ستكون الحقيقة حية مع الحرية وعلى هذا الأساس يعلّق حبشي على قول نيتشه "طوبى للمطمئنين لأنهم يرقدون" بأن: "الحقيقة المريحة جسدياً تهمد الروح وهانحن أولاء قد يقظنا يقظة نهائية" .
    لا راحة بعد اليوم أي لا اطمئنان، قلق، إصغاء، ومن يريد الحقيقة عليه أن يكون مصغياً لحضورها وبالأخص متلازمة مع الحرية ومتجانسة معها، من هنا يقيم حبشي عالياً صرخة نيتشه وضحكته الساخرة .
    ولا بدّ من هذا الجهد الواعي لأن الحقيقة والحرية تبدع دائماً في الحاضر لأنه لا حرية ولا حقيقة أنجزت وفُرغ منها ولا صياغة لهما في قوالب ولا براهين: "الحقيقة يُقضى عليها لحظة نُعرض عنها وهي كالحرية إذ لا تنقاد إلا لمن ينقاد إليها وقد شارك في ابتداعها مشاركة حب وهيام . فمن أجل ذلك كان للحقيقة دعوة شهداء وكان للحرية فتحاً شهداء . فعلمنا أن الحقيقة والحرية تعيشان على حياتنا وعلى ما نبذل لهما من أنفسنا علماً وفراً جداً، حتى إننا إذا يئسنا من أن تقف عليها حياتنا، أمّلنا، على الأقل أن نحييهما بموتنا"
    إذاً الحقيقة لم تبق كما قال برديائيف"الحقيقة هي فعل الحرية، الحرية تكوّن الحقيقة" ، إنما أصبحت هي والحرية في أرضية واحدة وهذا ما حمى حبشي من كثير من ردّات الفعل الفكرية وكثير من المتاعب المعنوية على ما أعتقد. من هنا "الحقيقة لا يمكن تعريفها إلا كتجربة معاشة للحقيقة وهذه هي البداهة" .
    تبقى الحقيقة حركة، نمو، تخطّ، متى توجد إذا قمت أنا بهذه الحركة فعلياً، وقيامي بها هو من صميم الواقع الحالي/الحاضر الحي، فلكي نصف تجربة الحقيقة علينا أن نشدّد على صيرورة الأنا 
    التساوي بين الحقيقة والحرية يدخلنا إلى مركب ثالث هو المسؤولية تجاه حياتنا وتجاه وجودنا "ونضع وجودنا أمام ذواتنا وأمام الآخرين وكل هذا يتم في سبيل خدمة الحقيقة ليس إلا" .
    ويربط حبشي بين الحقيقة والقلق، ومن هنا تغدو الحقيقة "سريعة العطب لأن وجود الإنسان بحد ذاته وجود يمر بحالات قلق مستمرة" ، لكن هذه الحالات تنبئ عن فعل الإنسان ومرانه باتجاه الحقيقة والولوج في عالمها "الحقيقة تلفح الوجود كما تلفح الريح الأودية والوهاد". والحقيقة حياة معاشة، حياة واقعية تحيا في كنف الموجود من خلال سيرورة عمله وتوقه السرمدي إلى آفاق سامية في الخلق المستمر. وإذا كانت الحقيقة كما يرغب حبشي : ثمرة الآن-الحاضر. هي أيضاً تدعونا عن طريق أبعادها الداخلية إلى أنسنة زماننا الحاضر"humaniser notre temps"
2-فلسفة الرجاء:
    يشيد حبشي فلسفته هذه من خلال المقابلة بين الأمل والرجاء ويأخذ التقابل والتباين مداه الأقصى من خلال توضيح المفاهيم والإشكاليات المعرفية التي يثيرها هذا التقابل بين الثنائيات، وكل هذا ليس إلا لوضع فلسفته الحقيقية في إطارها الصحيح، ومن هذا الموقف يقدم جان لاكروا تقييمه لفلسفة حبشي بشكل منصف واصفاً إياها بالفلسفة الرجائية philosofie de l'esperance
    من خلال هذا النص الذي اقتبسه ريكور "ولقد كان بإمكاننا أن نجعل أمسنا في غدنا بدل أن نجعل مستقبلنا في ماضينا فكل ما بالحياة فمن الرجاء نستعيده إذ لاشيء ناجز وإنما كل شيء بدايته الساعة التي نحن فيها. كل شيء ولو الماضي، كل شيء ولو بداية العالم... وعلى كل حال، فهاهو ذا التاريخ قد قام يصعد في مجرى الزمن صعود خفاء، وإن التاريخ المنظور قد أخذ يهبط هبوطاً كثير الضجيج"
    يظل الرجاء وفلسفة الرجاء أو رجاء الفلسفة من الأفكار الأصيلة في فلسفة حبشي ونرى ذلك من خلال (بدايات الخليقة) و(عمود بعلبك المكسور)، ففي بدايات الخليقة وبعد أن يتخطّى العبث وبمغامرة وجودية شخصانية مشرّعة الأبواب ، نجده يقرّر : ".. يهجس في رجائنا قلق عميق، نسمع في دخيلتنا النداء قد أتى من الهاوية، نداء جميع الممكنات، التضرّع الكبير الذي يصعد من العبث حتى لنحسّ معه بالدوار" ، وكأن هذا العبث الإيجابي ومن خلال ممكنات الحياة وتجلّي عمق التجربة لا نصل إليه وبكل أصالة إلا من خلال التعمّق أكثر، كيف يتخطّى حبشي مقول الأمل الزائف ليصل إلى مقولة الرجاء الحية الحاضرة؟
فما هو الأمل في هذا الفلسفة:
1-     الأمل هو أمنية نستمدّها من يومنا الحاضر فنرسلها إلى المستقبل وكأنها معلم ينبغي الوصول إليه
2-     الأمل هو الزمن قد شحّ فحملنا على أن نهمل الحاضر كي نضمن المستقبل، حتى إننا نضيع الحاضر والمستقبل معاً . وهذا ما لايقبل به حبشي إهمال الحاضر والتحقق في الحاضر والحياة الجديدة كل الجدّة بكل وفورتها وخصوبتها وتعبيريتها الحالية، ومن هنا الأمل يؤدي إلى القنوط واليأس .
3-     الأمل يعرض صاحبه لأمر من الأمور
4-     الأمل هدّام .
5-     الأمل خائب دائماً .
6-     الأمل رهن نأخذه على الزمن الآتي
7-     الأمل يسلينا عن أنفسنا ويضيعنا
8-     الأمل يثبتنا في الزمان
أما الرجاء :
1-الرجاء من أبعاد الأصالة: "تنفتح الأصالة على بعد جديد أعمق غوراً من سائر الأبعاد.
2- الرجاء ليس شعوراً غامضاً يلتقي فيه الإيمان وغريزة البقاء
3- الرجاء هو روح الواقع .
4- الرجاء من اليوم الحاضر وليس عنده رغبة في تخطّي مجرى الزمن .
5- الرجاء تيقظ لمرور اليوم الذي نحن فيه، هذا اليوم الحاضر إنما ههنا.
6- الرجاء لا يعرف نفسه بمغريات الخيال بل يعرف نفسه بالنظرة الأبدية والسيرة الجريئة وبالطاقة الكامنة، طاقة الرجولة الفعّالة لا القوّالة، الطاقة التي توقع صفحة الماضي توقيع ثقة ويقين وترحّب بالزمن الآتي ترحيباً طويل الأنفاس.
7- الرجاء مبدع، بنّاء، مفكّر يصنع حقيقة واقعة جديدة لولاه ما كانت لتكون في حال من الأحوال .
8- الرجاء فتي دائماً .
9- الرجاء هو شدة الحاضر الذي يتأمل داخلياً بذرته الأبدية .
10- الرجاء يعطي للحاضر وزنه ومن خلال الحاضر، الرجاء يعانق الأبدي .
11- الرجاء ينمينا بتكثيفه لدفقات حياتنا" .
    من خلال هذه التفرقة الصعبة والتي تحتاج لخبرة ومعايشة يصل بنا حبشي إلى الدرب الواضح درب الرجاء إذ من خلاله "نسمع أصداء الأبدي تتردّد في قلب الزمن" ، ونصل إلى نتيجة هامة فيها يعلن حبشي تخطي الوجودية وخاصة في مشكلة الموت وعندئذ: "يتلاشى الخوف من الموت، لانعد نرغب أن نتخلّص من الموت ولا أن نستعجله ولا أن نوفّره. ننتظره بصبر لأن الصبر هو بالتحديد الأبدية فينا والتي تشفق على الزمن، التي تعطف عليه، التي تقبله وتحبه" . هنا لم يعد الموت كما كان عند هيدغر (فاغر الفم) دائماً أو "ما إن يولد الإنسان حتى يرى نفسه في شيخوخة الموت" لايوجد "موت أكثر ضيقاً من موت الذي راهن على حياته بناءً على أمل محدد، لأنه إذا تحقق أولاً، هذا الأمل صفده في الزمن وعند موته، شخصه مستلقى في الزمن ومربوط بأعماله، كما لو أن شخصه يتنهي مع حياته" .
    هذا التخريج المبدع لأبدية وخلود النفس يجعلنا ندقق بمقدرات حبشي الميتافيزيقية والواقعية بنفس الوقت يصعد هذه المسألة حتى النهاية، الرجاء موجود بشكل يوحي حاضر كل لحظة والأبدي حاضرة أبداً فنحن نحيا أبداً وسوف نحيا ولما لانحيا وكل المعطيات تدفعنا للحياة. من هنا نعانق الأصالة ونعانق الحاضر والحرية وكل خطوة جديدة في هذا العالم، لم يعد الموت هنا هماً أو فراق الموت يوحي تواصلاً حياً بين الأنفس والقيامة تصبح يومية وفعالة وفاعلة من خلال حياة الرجاء الفاعلة المبدعة المتخطية كل آفاق الأمل وعلائقه ونقترب هنا من مفهوم الحضرة عند مارسيل لأن الآخر عند حبشي لم يبق كما عند هيدغر أو سارتر (جحيم أو لص) إما هذا الآخر بموته أصبح بالنسبة لنا دعوة لنعيش بشدة حياة خاصة .
هذه الدعوة فريدة محملة بعبق الشرق وجذور حضارته وقد قدمها حبشي للعالم بأسره من عناق عنصرين هامين في تاريخه الفكري والاجتماعي والكينونة والمساحة الفكرية التي خصها في نهاية حياته لقضايا فلسفية وفكرية معاصرة والتي استمر مجتهداً بها حتى نهاية حياته عام 2003، ولا يتلخّص جهد حبشي الفكري بما قمت به في هذا البحث إنما نترك بقية إشكالياته المعرفية ودعواته لبحوث لاحقة .
    وكل ما وجدناه من غنى في فكر هذا الفيلسوف الشرقي الشخصاني الواقعي سنجد مثله أو قد يزيد، في جوانب فلسفية فكرية شخصانية واقعية عند الفيلسوف العربي المغاربي محمد عزيز الحبابي ..
محمد عزيز الحبابي(1923-1993)..
    أثارت شخصيته كثيراً من الأسئلة والمناقشات حول تجربته الحياتية الفلسفية، هذه التجربة المترامية الأطراف والتي امتدت إلى كامل حياته حتى نهايته الزمنية بحدود نهاية القرن العشرين . وقد قرر كثير من النقاد أن "الإنسان الحي" هو موضوع هذا النتاج حتى في نتاجه الأدبي والشعري . فالواقع والبيئة لا ينأى بعيداً عن فكر الشخصانية العربية سواء سلباً أو إيجاباً، من هنا "الفيلسوف يعي بعمق تداخل أنماط الزمان التي تقلص ألإنسان والتي تجعل منه مجرد مستهلك للحياة، سالبة إياه قدرة التفاعل مع مختلف الأبعاد التي تكوّن، عملياً، شخصه كإنسان وكفرد متميز عن سواه .. لا يغدو الفيلسوف وفي نفسه"وجود الذات المفكرة العابرة ووجود النوع البشري المستمر والمتجدد" .
    وحبشي وحبابي، إذا جاز لنا الكلام، ينطلقان من عمق واقع الإنسان الشرقي أو المغربي، وهذا ما ترشدنا إليه الدراسات التي قام بها كلا الفيلسوفين . هذه الواقعية وما نتج عنها ومن حيث الأسس التي قامت عليها لا تنغلق على ذاتها بيئوياً ومحلياً إنما تمتح من تنوّع التراث العالمي القديم والحديث، هذا التنوّع والاختلاف يقدّم صورة انفتاحية لهذه الفلسفة الشخصانية العربية .
وسأحاول مناقشة مسألتين من خلال تجربة تشخصنية :
1-     الشخصانية الإسلامية :
تبقى فلسفة حبابي واحدة في كامل مراحلها حتى لو بدت متطورة على ثلاث مراحل متمايزة ومترابطة على حد تعبير محمد وقيدي "الشخصانية الواقعية، الشخصانية الإسلامية، الغدية" ، وهذه الوحدة متوفرة وواضحة ومؤكدة بأدبه وشعره وفلسفته وتصوراته الغدوية .
   وفي نظريته حول الشخص يقدم مجموعة هامة من المفاهيم منها : الكائن، الشخص، الشخصانية، التشخصن، الإنسان ، الأفق، التعالي، الزمان، التحرر.. وهدفه من هذه المفاهيم "إعطاء المشروعية للمذهب الشخصاني داخل المجال الإسلامي الذي ينتمي إليه الحبابي واقعاً وفكراً، كما تهدف إلى بيان التلاقي العميق بين الإسلام الحق وبين الشخصانية الواقعية"  
    تبدأ تجربة الحبابي في الشخصانية الإسلامية من خلال عودته إلى جذر لفظة شخص ودلالتها في الفكر العربي قبل وبعد الإسلام ومن خلال تعمّقه بنصوص القرآن الكريم وإيمانه الصادق يقول: "استنتاجاً من الآيات القرآنية، يبدو أن جذر (شخص) كان موجوداً قبل الإسلام وقد تعدّدت معاني مشتقاته وعلى الرغم من ذلك، لم يعرف العرب لا لفظة شخص ولا مفهومها في دلالته المعاصرة . سيضع مفكرون مسلمون مثل إخوان الصفا وابن سينا لأول مرة كلمة شخص ويشحنونها بمفاهيم جديدة تمخّضت عن الثقافة العربية الإسلامية وترعرعت في الطقس الفقهي والفلسفي" .
    ومن بداية تجربته الشخصانية الإنسانية يهيئ الجو الفلسفي أو المزود الذي سيحتضن هذه الفلسفة، ويقول : "الشخصانية الإسلامية لا تقر التمييز الكانطي بين الأنا الحسي والأنا المتعالي، أي بين أنا تجريبية يتصل بالحس وبالوقائع الجسدية والمجتمعية والنفسانية والعادات والذكريات، ويتصل بالإدراكات وبين الأنا الثاني الذي هو، على العكس من ذلك، مستقل تماماً عن كل شرط تجريبي ولا يخضع لأي قيد مجتمعي أو تاريخي، إنه هو ذاته وموضوع ذاته" .
وترفض الشخصانية الإسلامية كذلك، ثنائية أخرى : "الثنائية البرغسونية التي تميز بين أنا عميق، حقيقي، باطني وبين أنا سطحي، خارجي، وهذا ما ناقشه مفصّلاً في كتابه (أحريات أم تحرّر؟) .فالحبابي في شخصانيته الإسلامية يحاول استنطاق واستنبات الإسلام شخصانياً لا المسلمين ويتجه اتجاه الروح التي هي القوام الباطني الكلي بالنسبة للتشخصن وسيرورته واكتماله لتحقق : "الشخصانية الإسلامية لا تجعل من الشخص (مونادة) روحية، بالرغم من اعتباره معطىً أولياً. إنه كائن كلي ومادة حية، أي فكر ينفخ في جسم ذي عقل . فإن يكن من فرق بين الروح والشخص، فإنه بمنزلة الجزء من الكل أو المحتوى من المحتوى" . ويعلن عالياً استقلال الشخصانية الإسلامية وترفعها عن أي اتجه زمني قبلي ثابت أو مقيد : "الشخصانية الإسلامية، وإن كانت مقتبسة من الدين، تمتنع عن الخضوع لأي اتجاه لاهوتي من شأنه أن يضع قبلياً، أفضلية للروح على الجسد، أو للجسد على الروح . فالعقيدة، قبل كل شيء، التزام . والالتزام المقصود هنا لا يتعلق بالطقس الروحي فحسب، بل يتعلق أيضاً بالظروف المادية والموضوعية التي تعيش فيها الأمة والإنسانية بأجمعها، فبين الإنسان وباقي الكون تسود غائية تعمل لصالح الإنسان، فمن أجل الكائن البشري، خلق الله العوالم والأشياء والكائنات" .
    هذا يعني أن لكل جيل رؤية للعالم تتناسب مع درجته من التطور؛ أي الرؤيا متجددة بكل مضامينها وبكل واقعيتها وخصوصيتها، ويتابع الحبابي متفائلاً: "إذا كان جوهر الشخصانية يكمن في المعنى الدقيق، الحاد، الذي يكونه الكائن البشري عن كرامته وعن كرامة الآخرين، وإذا كانت الكرامة تتمثل في وعي كل منا لأناه كقيمة في ذاتها ضمن عالم من المغامرات عليه أن يعانيها كمغامرة التحرر، مع احترام الآخرين . وأخيراً، إذا كانت الحريات تستلزم مسؤولية كل واحد منا وتضامنه مع الآخرين ومساواته لكل الأشخاص؛ فإن الإسلام الصادق لن يكون إلا شخصانياً" . ويصل الحبابي إلى قمة وجده العقلي التفاؤلي من خلال رؤية نظرية للشخصانية الإسلامية بتأكيده بدقة على ما يلي:
1-لم يفقد المسلم الأمل بالرغم من مشكل الشر وخذلان الشر.
2-بالرغم من التقهقر المعاصر للثقافة العربية والإسلامية والأزمات والهزائم التي عاناها الإسلام، مازال التفاؤل ملحوظاً، وهذا منبع الرجاء وحماسه .
3-المسلم ملتزم، دوماً، ضمنياً وعملياً، في مغامرة الإنسان من أجل التقدم؛ فلا إيمان بالخطيئة الأصلية، ولا شعور مأساتي يغلقان الأفق أمامه . إن الاعتقاد بالمكتوب ليس مرادفاً للجبرية المطلقة، ولكنه استسلام مؤقت لأنه متفائل . هنا تكمن الأسس الحقيقية للروح الإسلامية وجذور الشخصانية في الإسلام .
2- الفلسفة الغدوية :
    يدخلنا الحبابي جوه الغدوي بمناجاة ساخرة عن القرن العشرين :
"أيها القرن العشرون آه عليك ‍قرن العجائب، وقرن عشرين أكذوبة في اليوم، قرن الدم . لقد أضعت البسمة كما أضعت يا للأسف الأحلام والأوهام" .
هذه مناجاة الحبابي الفلسفية التشاؤلية للقرن العشرين... أجل رحمة الله على تراب هذا الفيلسوف هل يسمع الآن بنفسه الحكيمة المبدعة أبواق الفضيحة الكبرى فضيحة القرن الواحد والعشرين وأحداثه الجسام التي أتانا بها : ما أن هلّ هذا القرن وبشائر السلام ترفرف فوق أصقاع العالم، حتى تحط رحاله معلناً الخديعة العظمى والسراب الحالم. والحبابي ينعي القرن العشرين بهذا الصخب والضجة الفكرية الإنسانية فكيف كان به الآن يرى ما نرى ويسمع ما نسمع وهذا ما يؤكده مرة أخرى وفي عمق مناقشته للفلسفة من أجل الغد : "يسير القرن العشرون جارّاً وراءه رصيداً ضخماً من السلبيات، والمشكلة التي تطرح هي : كيف يمكن تحريره من هذه الحمولة الثقيلة؟ لذا قبل التفكير في فلسفة الغد، يجب إيجاد فلسفة من أجل الغد قادرة على أن تعطينا الشعور الحي بمسؤوليتنا نحو الأجيال المقبلة" .
    واجتهاد الحبابي الأخير في "عالم الغد" تطبيق حقيقي لواقعية الشخصانية التي عاشها بحياته وتركها لنا مشروع عمل حقيقي من خلال الطموح المشروع لحوار الغرب من موقع العالم الثالث الذي يعيشه الحبابي ومن موقع الغرب الذي ينظر إلى العالم الثالث من خلال أهداف ومرام خطيرة، ناضل الحبابي من أجل الحوار بين الثقافات وبين الشعوب لولوج إنسية جديدة وواضحة المعالم .
    طموح الحبابي طموح فيلسوف يحاول أن ينقذ عالمه من هذه الورطة أو الأزمة التي وضعه الغرب بها من خلال قوى الواقع الفتية والتي يطمح أن يقوم الغرب بالمحافظة عليها ومن هنا تأتي المشروعية، وعلى حد تعبير حبشي كيف لهذا الغرب أن يرجع لنا ما كنا قد قدمنا له . من هنا تتشرعن أكثر أسئلة وتساؤلات الحبابي حول الواقع والغد، ومنها :
ـ هل توجد اليوم فلسفة قادرة على أن تهيئنا لعالم الغد؟
ـ أي فلسفة من الفلسفات المعاصرة تلك التي تستطيع أن تؤثر في نشوء عالم الغد؟... ماهي الفلسفة التي تستطيع أن تمدنا بمساعدة عملية تضيء سبل البحث عن مبدأ الانسجام الضروري لـ إنسانية الغد؟
وهناك تساؤلات منها :
-ماذا سيكون دور الإنسان في الخلق ومسؤولياته إزاءه ؟
-هل يبحث الإنسان عن مطلق ؟
-هل ستنبهر نشاطاته بالتغير أو بالموت ؟
-ماذا ستكون أحلامه ومقامه ؟
هذه المهام والإشكاليات العلائقية التي يضعها الحبابي بمنزلة مشروع من أجل الغد برؤية القرن العشرين المنصرم "وعالم الغد يستحقق بتعاون الجميع ومن أجل الجميع أو لا يتحقق إطلاقاً" .
    وقدّم حبابي مقومات الأنسية الجديدة في كتابه "مفاهيم مبهمة"، وهي :
1.      توتر نحو : آفاق جديدة ـ مغامرات مستمرة .
2.      معتقدات : عن اقتناع ـ محاولة إقناع .
3.      ذاتية : في نزوع إلى تموضع ـ في نزوع إلى تجاوز .
4.      حقل ثقافي : مجال فردي ـ مجال تواصلي .
5.      محيط كوني : الطبيعة ـ الكائنات الحية .
6.      عقل مجند : الفهم والواقع لتطهيره من الخرافة ـ عقلانية نقدية .
7.      منهج : حرب ضد الإبهام ـ اختبارات الاختبارات من أجل التكيف .
8.      التزام : سياسي ـ تطوري إصلاحي .
    وهذه المقومات تقدم برنامج عمل فكري مهمته ثورة عقلية واقعية اجتماعية هدفها الوضوح والتمييز وتخطي كل الحالات المرضية المزمنة التي يعاني منها واقعنا ومن المقومات هذه تتجلى مهام الشخصانية الواقعية أو الإنسية الجديدة التي هي ما يلي :
1-     الهم الأول للإنسية الجديدة هو الانسجام مع الواقع
2-     إن الإنسية الجديدة مطالبة بأن تعيد التفكير في الإنسان وفي علاقات الناس بعضهم مع بعض .
3-     على الإنسية الجديدة أن تكافح وتثور على :الوصاية الأبويةـ اعتبار الشخص في فرديته وتواصله قيمة عليا في كل نشاط .
4-     الإنسية الجديدة ترغم الإنسان على أن ينمي كل ما لديه من إمكانيات وقوة خلاّقة وقدرات عقلية وأن يبذل الجهد ليجعل من قوى العالم المادي أدوات تحرره .
5-     على الإنسية الجديدة أيضاً ألا تؤلّه الحتمية والمصادفة وألاّ تتكل على إله مستمر لخدمتها في الشاذة والغاذة .
6-     على الإنسية الجديدة أيضاً أن تزرع فينا معنى "النسبية" وتهتم بالتطبيقات وبالمعطيات الخارجية .
7-     واجب كل فلسفة من أجل الغد أن تزرع هذا الوعي بما هو إنساني شمولي، كإيمان ومنبع أخلاق .
    ولإكمال مشروعه الفلسفي يحاول حبابي تقريب معالم الفلسفة من أجل الغد وفلسفته . وهذه المعالم ما هي إلا حياة الشخصانية الواقعية التي أرادها وسعى جاهداً إليها وعبر تجربته الفلسفية العميقة، والطريف أن الحبابي يجعل منها إطار عمل دائم لمن يريد أن يلتزم بها ويلتزم بالإنسان، لذا من يريد تهييئ غد للعالم عليه ما يلي :
1- الاقتناع بأن عالم اليوم في أشد الحاجة إلى فلسفة جديدة تستسيغ مكتسبات الفكر المعاصر وتنفتح على المستقبل .
2- أن يعتمد فلسفة شكلية منهجية تضرب بالوثوقية .
3- على الفلسفة الغدوية أن تسعى إلى تحقيق التضامن العالمي بالتواصل البشري .
4- على الفلسفة أن تفتح أعينها جيداً على مجموع واقع الإنسان ـ الكل ولن تهمل العلوم الجديدة ولا الحياة الروحية في علاقاتها مع الحكمة والتقدّم 
5- من واجب الفلسفة الغدوية إعطاء الشباب معنى للحياة ووسائل تسمح لهم بالتكيف مع عالم مريض بالتسارع المطرد، عالم تكتسحه قيم مهزوزة وتسوده صور كاريكاتورية عن الواقع المعيش  
6- دور الفلسفة الإنسية (الغدوية) توجيه التقنيات إذ كل فعل يصبح فعلاً أخلاقياً حينما يبلغ درجة من الوضوح، طبقاً للتصوّر الذي يكوّنه الشخص عن كرامته وهذا الاتجاه الحقيقي لكل فلسفة إنسية .
7- تهدف الغدوية قيام فلسفة توجه المستقبل في مسالك أخرى بعيدة عن الاتجاهات الشبقية لحضارة التصنيع التي تجتاح بلدان الرخاء وتدمّر، نتيجة لذلك كرد فعل، بلدان العالم الثالث .
8- على الفلسفة الغدوية أن تقود السير الحثيث نحو الوحدة الشاملة .
9- على الفلسفة الغدوية "أن تجعل من مجموع الثقافات الوطنية في تكافلها وتخاصبها، حضارة للغد . إن القابلية على العطاء وعلى تحمّل مهام جديدة لاتتسنّى إلا بالقابلية على التفتّح" .
10- على الفلسفة الغدوية أن تتخلّى عن غيوم التجريد والمفاهيم الفارغة وعليها أن تأخذ بالأسس المحرّكة للفكر والقلب معاً لتصلح إنسان اليوم وهو يتهيأ ليصبح إنسان الغد .
    ولا يعني التمييز بين هذه المراحل عزل أحدهما عن الأخرى؛ لأن وجود كل واحدة منها يستلزم وجود الأخرى . وهذا الجدل الحيوي بين الفلسفتين؛ (فلسفة الغد) وفلسفة (من أجل الغد) مقدّماً الثانية على الأولى بالرغم من جدلهما يضعنا وجهاً لوجه مع فلسفة حبشي (فلسفة الحاضر) لذا يتضح جليّاً في هذا البحث الالتقاء بين فلسفات الشخصانية في الأسس والمحركات .
 
 نتائج البحث ومقارباته :
1- الشخصانية تمقت وتمجّ الحرب وتناضل ضدها بالوسائل المتاحة كافة .
2- من أهداف الشخصانية النبيلة السلام والصفاء، والشخصانية تبتعد عن الاستسلام وتدافع عن السلم العالمي وهذا ماعبّر عنه الحبابي في قوله :
" .... والسـلم، فهو يتم بأسـلحة توضع ويتخلّى عنها، وبجنود يُطلق سراحهم أو يعزلون في ثكنات، ولكن، يتم السلم بالفلسفة أيضاً"
3- الانتصار على الموت يربط منبعي الطاقة الداخلي والخارجي ويصل الشخص إلى النهج الكامل حين يختار فيها لنفسه "إخلاصاً أثمن من الحياة" .
4- لا بدّ لقيادة المجتمع من أفراد مهيئين لهذا الأمر، وهنا يتجلّى دور الشخصانية وتربيتها في تحمّل مسؤولية مجتمع والحفاظ عليه .
5- الشخصانية تتوافق مع تراثنا في مبادئها ومقولاتها وما تسعى إليه .
6- تناضل الشخصانية ضد الفساد في المجالات كافة، وتعدّه من الأمراض التي تعمل على تخريب بنية مقومات الشخص، ونحن بحاجة لهذا النضال في مجتمعاتنا الحالية بعد أن استشرى الفساد .
7- تحفز الشخصانية على النضال ضد كل أنواع الاستعباد؛ الذاتي والموضوعي، الداخلي والخارجي .
8- تؤكّد الشخصانية "فعل الإيمان" الذي يعول عليه الكثير لاستمرار ودوام المشروع الشخصاني، وهذا ما أخذ حيّزاً كبيراً من تفكير فلاسفة العرب، وخاصة حبشي وحبابي، فالإيمان عند حبشي :"هو الذي يبعث قوة الحياة في مواقفنا" ، ومن هذا المنطلق لا يكون فعل الإيمان إلا من إنسان في زمان ومكان ومن خلاله تتجلّى علائقية القيم الباطنية والظاهرية بمستوياتها وأفعالها المرجوة . وفعل الإيمان عند حبشي يلعب دوراً حساساً على مستوى التشخصن؛ لأنّ "التفتّح الكامل للشخص لا يحصل إلا بإيمان يحصل من الله الفكر المحض والكائن المطلق" ، والإيمان عنده صفة أو فعل علائقي يرتبط بالشخص والله والالتزام والحب والحقيقة .
9- التشخصن محاولة جادّة لتجاوز ثنائية كانط التي وُضع فيها الفكر وكاد طغيان الظاهر المعروف أن يشلّ حركة الباطن ويضعه في متحف التاريخ، فيأخذ التشخصن عند حبابي مهمة صعبة بنّاءة :"التشخصن حركة لا تكتفي بالإضاءة والتغيير، بل تقوم ـ أيضاًـ بعمليات تأسيسية" .
10- العمل والفرح؛ وهذا ما يفتح طاقات العمل الإنساني من خلال الجو الذي يشيعه من رضى وحبور وفرح وكرامة، وهذا يتعلّق "بشخصنة العمل والذهاب نحو حضارة تتيح إمكانيات الفرح للعمال وتكفل لهم ظروف تحرير" .
11- تبني حبشي وحبابي قضية التعاون الدولي والدفاع عنها سواء في دعوة حبشي المتوسطية والحضارة التي قدّمها الشرق أو ما دعا إليه الحبابي لإنقاذ الإنسانية .
12- الإنسان والواقع من خلال رؤية مستقبلية؛ وهذا ما يعدّ مقدمة لبرنامج عمل ملتزم بحدود تجدّد الشخصانية الواقعية من خلال "تأسيس نظام تضامن متين وصادق كي نعمل ونؤثّر في عالم اليوم" .
13- تأكيد دعاة الشخصانية نظاماً جديداً للتعليم والتربية لإنقاذ الأجيال الصاعدة، وهذه الدعوة مازالت ساخنة حالياً، وقد عُقدت في العقد الأخير ندوات عدّة ومؤتمرات محلية ودولية محاولة وضع برنامج عمل طموح لتحسين الموارد البشرية، ويحتاج هذا البرنامج إلى تفعيل وتضافر جهود وقوى فاعلة في الواقع تصل إلى حد اتّخاذ قرار جريء يصل ويتخطّى التحسين إلى التنمية والتنمية التفاعلية والفاعلة .
14- فلسفة الاختلاف؛ والاختلاف له حضور في الشرق، وقد أصبح الآن مطلباً هاماً جداً على الرغم من موجة المواجهة لاجتثاثه من الجذور، وإذا كان هناك توجّهات لتوحيد الشعوب والقوميات لا يهدف منها "توحيد اعتباطي يحشد الناس على طراز التجمّعات النحلية، إنما هو سعي وراء توحيد البشرية مع الاحتفاظ بتنوّعها" ، وهذا نقيض ما تدعو إليه عولمة اليوم .
15- لم نصل إلى مرحلة المثالية التاريخية كما توقّع حبشي، عندما قال : "انقلاب المادية التاريخية إلى مثالية تاريخية يشكّل صدعاً يفضي إلى مشكلات ميتافيزيقية تتصدّى للفلسفة الماركسية من أساساتها" .
16- ما بعد الانفجار والمصير؛ وهذا ما كان قد حذّر منه حبابي قائلاً : "فهل سيعرف الغرب كيف يتلافى الانفجار العالمي المحتوم؟" . وقد وقع الانفجار فعلاً حين سقط الاتحاد السوفياتي ثم أحداث أيلول مما أدّى إلى اختراق العالم من جديد وتحت أسماء وصياغات "مع أو ضد" .
17- العالم الجديد وتباشيره؛ وهذا طموح كل فلاسفة الشخصانية، فهل يتحقق ونتغنّى به يوماً كما بشّر وتغنّى به محمد إقبال :
   ... عساني أتقدّم بحماس
     بحثاً عن أراضٍ جديدة زاهية
     فأصبح رائد فكر جديد وداعية  
وهذا ما عبّر عنه الحبابي في قصيدة "الحي اللاتيني" في ديوانه (بؤس وضياء):
رفاقي!
أشعرتم بتيار الحياة
يملؤنا قوة
يدفعنا للغد
نحو السلام
نحو الكرامة
حياة غدٍ
وكل هذه النتائج الأولية تقودنا إلى ما قاله مونييه : "... كل مواقفي التي ناقشتها في هذا الكتاب قابلة للنقاش والمراجعة، وهي أمور اكتشفت من حالة الإنسان في عصرنا..وكل شخصاني يتمنى هذا ويتمنى أن تصبح كلمة شخصانية منسية في يوم من الأيام"
    الفيلسوف لا يقدّم أجوبة نهائية ولا حلول جذرية دوغمائية، يُبقي دائماً خط الرجعة وخط الأخذ والردّ مفتوحاً لمشاركة الجميع وسأترك هذا البحث محافظاً على شخصانيته وشخصيته، مفتوحاً لتقبّل كل ثراء من الآخر ومن نوعية الآخر لأن نتاج العقل دائماً يطمح لهذه النوعية وهذه الحياة..
مصادر البحث:
1-برديائيف. ن:
- معنى الإنسان، موسكو، مطبعة الجمهورية، ط1، 1993.
- الحقيقة والوحي، الكتاب من نص في الموقع الالكتروني: www.vehi.net/berdyaev/fsduha/index.ntnl
 - ديالكتيك الإلهي الإنساني1993، موسكو، مطبعة الجمهورية.
2-الحبابي.م.ع:
- عالم الغد "العالم الثالث يتهم"1991، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1.
- الشخصانية الإسلامية1969، القاهرة، دار المعارف.
- من الكائن إلى الشخص1962، القاهرة، دار المعارف، ج1.
- مفاهيم مبهمة في الفكر العربي المعاصر1990، القاهرة،                                  دار المعارف.  
 - ورقات عن فلسفات إسلامية1988، الدار البيضاء، دار توبقال، ط1.
- بؤس وضياء (شعر)1962، بيروت، دار عويدات، ط1.
- أحريات أم تحرر، الرباط، أكاد، باريس، مونتاني، ط3.
- من المنغلق إلى المنفتح1987، الرباط، دار أكاد، باريس(نص فرنسي)، ط4.
3-حبشي، رينيه:
- بدايات الخليقة، ت: خليل رامز سركيس، بيروت، المنشورات العربية.
- فلسفة لزماننا الحاضر، ورد في كتاب "قضية الفلسفة تحرير وتقديم: محمد كامل الخطيب، دار الطليعة، دمشق، ط1.
- في سبيل فكر متوسطي(1)1956، بيروت معهد الآداب الشرقية، (نص فرنسي).
- في سبيل فكر متوسطي(2)1957، بيروت، معهد الآداب الشرقية.
- عمود بعلبك المكسور1968، باريس، دار انتربون، (النص فرنسي).
- دينامية الوحدة1967، محاضرات الندوة اللبنانية، بيروت، العدد5.  
4- سغبيني، منير1982: الشخصانية الشرق أوسطية، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
5- لاكروا، جان:
- الشخصانية كمضادة للايديولوجيا1972، باريس، مطابع الجامعات الفرنسية، (نص فرنسي).
- رينيه حبشي فيلسوف لبناني1967، محاضرات الندوة اللبنانية، العدد 7.
6- ليوتار، جان فرنسوا: الظاهراتية، ت: د. خليل الجر، لبنان، المطبعة البوليسية، 1978.
7- مونييه.أ:
- الشخصانية1979، ت: محمود جمّول، لبنان، المطبعة البوليسية، ط2.
- مجلة Esprit 1932، باريس، العدد الأول.
8- وقيدي، محمد: حوار فلسفي، قراءة نقدية في الفلسفة العربية المعاصرة، الدار البيضاء، دار توبقال، ط1.

الاسم*

البريد الالكتروني*

الدولة

المدينة

عنوان التعليق*

نص التعليق*

   
ثاوذوروس أبو قرةمقارنة بين سند السحب وسند الأمانة
البطريركيّة المسكونيّة في العصر الحديث.. من سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى اليومالاغتراب.. بحث في فلسفة التموضع عند برديائيف
المؤسسات الدينية وصرخة في وجه الرأسماليةحان الوقت لإعادة النظر... بالمقدسات الحديثة
مقارنة الإرث والوصية بين قانون السريان والروم الارثوذكس و قانون الطوائف الكاثوليكيةحنا الفاخوري مع الخالدين
الشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاًبولس الخوري: العلمانية تصون التنوّع الإنساني
الوشـاحقراءة في كتاب "اختلال العالم" مهداة إلى مؤلفه أمين معلوف لمناسبة دخوله الأكاديمية الفرنسية
لمزيد من العناوين
اتصل بنا | أخبر صديق | المفضلة | صفحة البداية | خريطة الموقع
              Web Design by Sawa Soft Aleppo - Syria
 
إلى الأعلى